
بينما يتابع الصياد بابكر ضحوي حركة مراكبه العائدة من النيل، لا يرى في سوق الموردة العريق مجرد مكان للتجارة، بل يرى استعادة لنمط حياة توارثه لأكثر من 26 عاماً. فبعد فترة من الركود التي فرضتها ظروف الحرب، بدأت أم درمان تستعيد عافيتها، ومعها عاد الصيادون إلى النهر ليعيدوا إحياء الموردة كمحطة رئيسية للرزق.
يؤكد بابكر أن وتيرة العمل تصاعدت تدريجياً، حيث انطلق نشاطه بأربعة مراكب ليصل اليوم إلى عشرة، محققاً إنتاجية يومية تقدر بنحو طن ونصف من الأسماك، مما يغذي شبكة واسعة تمتد من ضفاف النيل إلى الولاية الشمالية.
يستمد سوق الموردة قيمته التاريخية والاقتصادية من ارتباطه الوثيق بالنيل. ويشير سيف الدين محمد هلال، رئيس اتحاد تجار وصائدي الأسماك في أم درمان، إلى أن اسم السوق يعكس فلسفة الوِرد والمورد، حيث يلتقي الصيادون والتجار لتبادل الخيرات التي يجود بها النهر.
ويوضح هلال أن النشاط التجاري الذي كان قد انتقل مؤقتاً إلى محلية كرري بسبب الظروف الأمنية، عاد الآن بكامل ثقله إلى موقعه الأصلي في الموردة، ليعيد ربط أهالي أم درمان بمصدر رزقهم التقليدي.
من جانبه، يصف التاجر ياسر علي السوق بأنه ذاكرة حية للأجيال، حيث يزخر بأنواع متعددة من الأسماك النيلية مثل البلطي، والفرايد، والنوق، والقرقور، والعجل. وتتأثر أسعار هذه الأسماك بشكل مباشر بحجم المعروض، حيث يوضح عبد المولى بابكر، الذي قضى 18 عاماً في المهنة، أن الوفرة هي المحرك الأساسي لاستقرار الأسعار في السوق.
على الجانب الآخر، تقدم خبيرة الثروة السمكية تهاني الحسين قراءة مختلفة للمشهد، موضحة أن توقف الصيد في بعض المناطق خلال سنوات الحرب قد يكون منح بعض الأنواع فرصة أكبر للتكاثر والنمو، مما خفف الضغط على المخزون السمكي.
ومع ذلك، تشير الحسين إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وفرة الأسماك فحسب، بل في لوجستيات الوصول إلى مناطق الصيد، وسلامة المعدات، وكفاءة النقل. وتؤكد أن السودان يمتلك ثروة سمكية هائلة تتوزع بين النيلين الأبيض والأزرق، وروافدهما، والبحيرات والسدود، مما يتطلب استراتيجية واضحة لاستدامة هذا المورد وحسن إدارته لضمان بقائه للأجيال القادمة.