
لم تعد الكهرباء في العصر الحديث مجرد خدمة أساسية لتلبية احتياجات الأسر أو تشغيل المرافق التقليدية، بل تحولت تدريجياً إلى ركيزة أساسية لتحديد التنافسية الاقتصادية للدول. وفي ظل السباق الدولي المحموم لاستقطاب الصناعات المتقدمة، ومراكز البيانات الضخمة، والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على توفير كهرباء وفيرة، مستقرة، ومنخفضة الكربون، عاملاً حاسماً في قرار المستثمرين.
تشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء بمتوسط سنوي يبلغ 3.6% بين عامي 2026 و2030، وهو ما يعني إضافة نحو 1100 تيراوات/ساعة سنوياً. هذا النمو لا يقتصر على التوسع الصناعي فحسب، بل يتغذى من انتشار السيارات الكهربائية، وتزايد الحاجة إلى التبريد، وتوسع مراكز البيانات التي تتطلب طاقة مستمرة لتشغيل الخوادم وأنظمة معالجة البيانات.
يوضح الخبراء أن الصناعات الحديثة لا تبحث فقط عن طاقة متاحة، بل تشترط إمدادات ذات جودة عالية، وتكلفة يمكن التنبؤ بها، وبصمة كربونية منخفضة. يؤكد عبد الصمد ملاوي، المتخصص في تكنولوجيا الطاقات المتجددة، أن الكهرباء أصبحت جزءاً لا يتجزأ من قرار اختيار موقع الاستثمار، موازيةً في أهميتها للبنية التحتية والمهارات اللوجستية.
من جانبه، يشير عبد الخالق التهامي، أستاذ الاقتصاد، إلى أن التنافسية في هذا القطاع لا تختزل في انخفاض السعر، بل في استقرار الإمدادات وسرعة الربط بالشبكة، حيث يدفع أي انقطاع أو تأخير في الربط المستثمرين للبحث عن وجهات بديلة. كما أصبحت المعايير البيئية تفرض على الشركات العالمية تقليص بصمتها الكربونية، مما يمنح الدول التي تعتمد على الطاقة المتجددة ميزة تنافسية كبرى.
تضع هذه التحولات الدول العربية أمام فرص استراتيجية تتجاوز تصدير الطاقة عبر الحدود، لتشمل بناء قاعدة إنتاجية تكنولوجية. وتبرز هنا استراتيجيتان متكاملتان:
رغم الموارد الطبيعية الهائلة في المنطقة العربية، فإن تحويلها إلى ميزة اقتصادية يتطلب تجاوز تحديات تقنية وتنظيمية، أبرزها:
وفي هذا السياق، تقدم الدول العربية نماذج متنوعة؛ ففي حين يركز المغرب على تعزيز الربط مع أوروبا وتطوير الشبكات، تتجه مصر نحو مشاريع الربط الكهربائي البحري العابرة للقارات، بينما تعمل دول الخليج على تعزيز التكامل الإقليمي وتطوير بنية تحتية مشتركة للطاقة.
ختاماً، إن الرهان العربي الحالي يتجاوز مسألة إنتاج المزيد من الكهرباء، ليصل إلى بناء منظومة متكاملة تحول الموارد المتجددة إلى أصل اقتصادي مستدام، يضمن أمن الطاقة الداخلي ويعزز الحضور في الاقتصاد العالمي الجديد.