
يرى بعض العلماء أن درجة الحرارة قد تعادل في أهميتها الضوء في تنظيم الساعات البيولوجية اليومية للجسم، مما يطرح تساؤلات جديدة حول العوامل التي تحدد جودة نومنا وتوقيته.
ويستحضر غاندي يتيش، عالم الأنثروبولوجيا، طقوس طفولته في ولاية نيوجيرسي، حيث كان يفتح النافذة في ليالي الشتاء القارسة لتبريد وجهه، وهو ما كان يساعده على النوم بشكل أسرع. وتؤكد الدراسات الحديثة أن يتيش كان على صواب، إذ تلعب درجة الحرارة دوراً جوهرياً في جودة الراحة الليلية ومدى شعورنا بالانتعاش صباحاً.
أثناء دراسة أنماط النوم لدى شعوب تعيش في مجتمعات غير صناعية، مثل التسيماني في الأمازون، والهادزا في تنزانيا، والسان في جنوب أفريقيا، لاحظ الباحثون أن مواعيد نوم هذه الجماعات لا ترتبط فقط بدورة الضوء والظلام، بل تتبع بدقة التغيرات في درجة حرارة البيئة المحيطة.
يقول يتيش: نعتقد أن السبب في أهمية غروب الشمس وشروقها هو الضوء، ولكن يجب ألا ننسى أن درجة الحرارة هي أيضاً متغير مرتبط بالشمس.
من المعروف علمياً أن درجة حرارة الجسم الأساسية تنخفض بشكل طبيعي بنحو درجة مئوية واحدة خلال الليل استعداداً للنوم. ويوضح الطبيب سيباستيان هيربيرغر، الباحث في طب النوم ببرلين، أن اضطراب النوم غالباً ما يرتبط بارتفاع درجة حرارة الغرفة التي تمنع الجسم من الوصول إلى درجة الحرارة المثالية للنوم العميق.
وقد أظهرت دراسة أجريت عام 2007 أن الأشخاص الذين ينامون في غرف ذات درجات حرارة متقلبة (تحاكي الانخفاض الطبيعي ليلاً) سجلوا مستويات أعلى من هرمون الميلاتونين، وشعروا بانتعاش أكبر عند الاستيقاظ مقارنة بمن ناموا في غرف ذات درجة حرارة ثابتة.
يطرح العلماء فرضية مثيرة: هل تعمل درجة الحرارة كإشارة لضبط الساعة البيولوجية؟ على الرغم من أن الإيقاعات اليومية تُحدد تقليدياً بالضوء، إلا أن التجارب على كائنات حية، من ذباب الفاكهة إلى الجمال، أثبتت إمكانية ضبط ساعاتها البيولوجية حصرياً عبر التغيرات الحرارية.
ويشير راسل فوستر، أستاذ علم الأعصاب في جامعة أكسفورد، إلى أن درجة الحرارة قد تكون مُدخلاً إضافياً يسهم في تشكيل الإيقاع اليومي، رغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية لتأكيد هذا الدور بشكل قاطع.
يعتقد جيروم سيغل، مدير مركز أبحاث النوم بجامعة كاليفورنيا، أن بيوتنا الحديثة التي تحافظ على درجة حرارة ثابتة طوال اليوم قد تكون سبباً رئيسياً في تفشي مشكلات الأرق التي نادراً ما تُسجل في المجتمعات غير الصناعية. ويختتم العلماء بالتأكيد على أن محاكاة التقلبات الطبيعية في درجات الحرارة، عبر خطوات بسيطة مثل تهوية الغرفة، قد تكون وسيلة فعالة لتحسين جودة النوم.