
في عصر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، يبدو من المفارقات أن مراقبي الحركة الجوية قد يفقدون الاتصال بالطائرات بسبب خلل في بنية تحتية رقمية تعود لعقود مضت. هذه الحادثة، التي شهدها مركز توجيه الرحلات في مطار نيوارك ليبرتي في أبريل 2025، سلطت الضوء على واقع مقلق: قطاعات تعتمد عليها حياة الملايين لا تزال تدار بأنظمة عتادية وبرمجية صممت قبل انتشار الإنترنت والحوسبة السحابية.
تُعرف الأنظمة القديمة (Legacy Systems) بأنها تطبيقات أو أجهزة تستمر في العمل رغم توقف دعم الشركات المصنعة لها، أو اعتمادها على لغات برمجة وبروتوكولات عفا عليها الزمن. ورغم أنها تبدو كأنها موت مع وقف التنفيذ، إلا أن استبدالها يمثل عملية عالية المخاطر؛ فهي أنظمة مستقرة وموثوقة بعد عقود من الاختبار، لكنها ترتبط بسلاسل معقدة من البرامج التي قد تنهار بمجرد تغيير جزء واحد منها.

تظهر هذه المعضلة بوضوح في المعدات الطبية والمؤسسات الحكومية، حيث تبتلع تكاليف الصيانة ميزانيات ضخمة. ففي الولايات المتحدة، كشف مكتب المساءلة الحكومية أن 11 نظاماً فيدرالياً حرجاً تتراوح أعمارها بين 23 و60 عاماً، تستهلك نحو 754 مليون دولار سنوياً للصيانة فقط، بينما تذهب 80% من ميزانيات تقنية المعلومات لتشغيل هذه الأنظمة بدلاً من تطوير بدائل حديثة.
لا تكمن المشكلة في قدم النظام بقدر ما تكمن في هشاشته أمام المتغيرات. وقد شهدت السنوات الأخيرة حوادث كبرى تثبت ذلك:

تظل لغة كوبول (COBOL) حاضرة في الأنظمة المالية والحكومية رغم مرور عقود على ظهورها، ومع تضاؤل عدد المبرمجين القادرين على فك شفراتها المعقدة، تصبح عمليات التحديث رحلة في المجهول. فغالبًا ما تكون قواعد العمل والاستثناءات مخفية داخل الكود البرمجي دون توثيق، مما يجعل الذكاء الاصطناعي اليوم أداة أساسية لتحليل هذه الأكواد وفهم مسارات البيانات قبل محاولة استبدالها.

تشير التجارب الحديثة إلى أن الاستبدال الكلي للنظام هو وصفة للفشل، لذا تتجه المؤسسات الكبرى نحو:

في النهاية، لا تمثل الأنظمة القديمة مجرد خردة تقنية، بل هي العمود الفقري لعمليات معقدة لا تزال تعمل بفضل استقرارها التاريخي. لكن تجاهل تحديثها يعني تراكم مخاطر أمنية وتشغيلية قد تكلف المؤسسات الكثير عندما يحين وقت الانهيار المحتوم.