
في مشهد يعكس إصرار الغزيين على استمرار الحياة رغم الدمار، تحولت الخيام في مختلف مناطق القطاع إلى بدائل قسرية للمكاتب والعيادات والمدارس، بعد أن سوت الغارات الإسرائيلية المنشآت الحقيقية بالأرض. لم يعد الشارع في غزة مجرد ممر، بل أصبح مكان عمل يجمع المهنيين بزبائنهم ومرضاهم.
يعد الدكتور محمد الخالدي، أخصائي الأطراف الصناعية، نموذجاً لهذا الواقع الجديد؛ فبعد تدمير عياداته في رفح وخان يونس، نقل عمله إلى خيمة في منطقة المواصي. يقول الخالدي: العمل من مساحة مؤقتة لا يشبه العيادات المجهزة، لكنه الخيار الوحيد لتقديم الخدمة. ويأتي هذا في ظل حاجة ماسة، حيث تشير التقارير إلى آلاف حالات البتر التي تتطلب متابعة مستمرة وتعديلاً للأجهزة التعويضية التي يعتمد عليها المصابون في حياتهم اليومية.
لا يقتصر الأمر على القطاع الطبي، ففي مراكز الإيواء والأسواق، يمارس المهندسون والمحاسبون أعمالهم وسط ظروف قاسية. عمر الطواشي، مهندس مدني، اضطر لنقل عمله إلى خيمة في دير البلح بعد تدمير مكتبه ومنزله، مشيراً إلى أن أزمة الإيجارات الخانقة جعلت من استئجار مكتب بديل أمراً مستحيلاً، حيث ارتفعت الأسعار إلى عشرة أضعاف مستوياتها قبل الحرب.
يواجه هؤلاء المهنيون تحديات يومية تشمل الحرارة الشديدة، الضوضاء، انعدام الخصوصية، وضعف البنية التحتية، لكنهم يتمسكون بالعمل كسبيل وحيد للحفاظ على مصادر دخلهم وتجنب التوقف التام عن ممارسة مهنهم.
امتد هذا الواقع ليشمل قطاع التعليم، حيث تسعى المعلمة فلسطين حسين لتقديم دروسها للأطفال من داخل خيمة في مخيم البالطة بالنصيرات، بعد تدمير مركزها التعليمي. وتصف فلسطين هذه التجربة بأنها محاولة للتمسك بما تبقى من مهنتها وترميم الحلم بأبسط الموارد.
وفي سوق النصيرات، يمارس التاجر خليل الطهراوي نشاطه التجاري ببيع الملابس من خيمة صغيرة على الرصيف، بعد أن دُمر متجره. يضطر الطهراوي لنقل بضاعته يومياً لحمايتها من السرقة، في روتين يومي يصفه بأنه يستنزف طاقته ووقت عمله.
يختصر المواطنون هذا المشهد بكونه الواقع المفروض، حيث أصبحت الخدمات تُقدم بطرق غير تقليدية، وتحولت الخيمة من مجرد مأوى للنازحين إلى مساحة حيوية للبقاء المهني والاقتصادي في ظل استمرار تداعيات الحرب.