
يستعد قادة الاتحاد الأوروبي لاجتماع مرتقب في بروكسل لبحث أزمة القدرة التنافسية الصناعية للقارة في ظل تنامي النفوذ الاقتصادي الصيني، وهي قضية باتت تشكل ضغطاً وجودياً على الاقتصاد الأوروبي الذي يرزح تحت وطأة عجز تجاري مع بكين يصل إلى 1.1 مليار دولار يومياً.
تشير تقارير اقتصادية إلى أن المسؤولين الأوروبيين يربطون هذا الاختلال الهيكلي بانخفاض قيمة العملة الصينية، والدعم الحكومي المكثف للنظام المصرفي في بكين، والذي وفر تمويلاً رخيصاً للمصانع الموجهة للتصدير. وقد حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن هذا العجز وصل إلى نقطة حرجة تهدد بتآكل المعاقل الصناعية في أوروبا.
في خطوة تصعيدية، دفع المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باتجاه تبني أدوات حمائية أكثر صرامة. واقترح الزعيمان استحداث آلية تتيح تقييد الوصول إلى السوق الأوروبية بسرعة، فيما عُرف إعلامياً بـ مفتاح الإيقاف الفوري (kill switch)، وذلك لتجاوز بطء إجراءات منظمة التجارة العالمية في فرض الرسوم الجمركية.
على الجانب الآخر، ترى الصين أن الخلل التجاري هو نتيجة طبيعية لارتفاع الطلب الأوروبي على منتجاتها من السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والبطاريات، خاصة في ظل تحول أوروبا نحو الطاقة النظيفة والتخلي عن مصادر الطاقة الروسية. وتؤكد بكين رفضها للرسوم الحمائية، ملمحةً إلى إمكانية الرد بالمثل، رغم تأكيد محللين صينيين على وجود رغبة في التوصل إلى حلول قائمة على المنفعة المتبادلة.
تعد السيارات الصينية محور النزاع الأبرز؛ فرغم فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية إضافية على السيارات الكهربائية، إلا أن ثغرة السيارات الهجينة القابلة للشحن الخارجي سمحت بتدفق مئات الآلاف من المركبات الصينية إلى الأسواق الأوروبية، مما يعقد المشهد التنافسي.
ترى المحللة الاقتصادية رلى راشد أن ما يشهده الطرفان هو اعتراف أوروبي متأخر بفشل النموذج التجاري الذي استمر لثلاثة عقود. وتوضح راشد أن الاتحاد الأوروبي وقع في مأزق هيكلي؛ فالأجندة الخضراء التي كان الهدف منها الاستقلال الطاقي، جعلت أوروبا تعتمد بشكل متزايد على سلاسل التوريد والتقنيات الصينية، مما يضع القارة أمام تحدي إعادة هيكلة شاملة لتكاليف الإنتاج والطاقة.
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي بسيم رحال أن الطرفين لا يزالان يمتلكان أوراق ضغط كافية لتجنب القطيعة الكاملة. ويؤكد رحال أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو توصل الطرفين إلى اتفاق تجاري جديد، حيث تستخدم أوروبا التهديد بالرسوم كوسيلة تفاوضية لانتزاع تنازلات صينية، بينما تسعى بكين لتفادي خسارة السوق الأوروبية عبر تقديم إصلاحات تنظيمية محدودة.