
كشف تحقيق استقصائي حديث عن تصاعد حدة المخاوف في أوساط البحارة الدوليين، إزاء عبور مضيق باب المندب، في ظل تزايد وتيرة الهجمات التي تستهدف سفن الشحن التجارية، وهو ما دفع أعداداً متزايدة من الأطقم للمطالبة برفض الإبحار عبر هذه المنطقة الحيوية.
تعود جذور هذه الأزمة إلى ليلة الأول من أكتوبر الماضي، حينما تعرضت سفينة الحاويات الفرنسية العملاقة شانزليزيه، التابعة لشركة CMA CGM، لتهديد مباشر بمسيّرة أثناء عبورها المضيق. وعلى الرغم من مرافقة الفرقاطة الفرنسية لانغدوك للسفينة -التي تعمل بالغاز الطبيعي المسال وتصل قدرتها الاستيعابية إلى 23 ألف حاوية- إلا أن الهجوم كاد يتحول إلى كارثة لولا تدخل المدفعية العسكرية لإسقاط المسيّرة، مما اضطر السفينة لتغيير مسارها وسرعتها بشكل طارئ.
أدى الحادث إلى حالة من الاستنفار داخل شركات الشحن الكبرى، حيث عقدت اجتماعات استثنائية مع ممثلي النقابات العمالية. ووفقاً لنقابة CFDT الفرنسية، فإن القلق يتزايد بين البحارة الذين باتوا ينظرون إلى السفن كأهداف محتملة، بغض النظر عن أعلام الدول التي ترفعها، نظراً لتداخل المصالح الاقتصادية في المنطقة.
ويشير ضباط عاملون في القطاع إلى أن التحصينات التقليدية، مثل الجدران المعدنية للمقصورات، لا توفر حماية حقيقية ضد الصواريخ والمقذوفات الحديثة، مؤكدين أن المرافقة العسكرية، رغم ضرورتها، تظل إجراءً غير كافٍ لتحييد المخاطر تماماً.
منذ مارس 2024، أقر منتدى التفاوض الدولي تصنيف البحر الأحمر وخليج عدن ضمن مناطق الحرب، مما يمنح البحارة الحق القانوني في رفض المشاركة في الرحلات التي تمر عبر هذه الممرات. وعلى الرغم من منح علاوة مخاطر تصل إلى 1500 يورو للبحارة الذين يقبلون العبور، إلا أن الكثيرين يجدون أنفسهم أمام خيار صعب بين الضغوط المالية والالتزامات العائلية وبين أمنهم الشخصي.
تواجه شركات الشحن العالمية معضلة استراتيجية؛ فبينما يطالب البحارة بتحويل المسارات نحو طريق رأس الرجاء الصالح لتجنب المخاطر، فإن هذا الخيار يعني زيادة زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا بنحو عشرة أيام، وما يترتب على ذلك من ارتفاع حاد في تكاليف الوقود والتشغيل.
وفي ظل محدودية الموارد العسكرية المتاحة، مثل مهمة أسبيدس الأوروبية التي تعاني من نقص في عدد القطع البحرية المخصصة للمرافقة، يبدو أن معادلة الأمن مقابل التكلفة ستظل التحدي الأكبر لقطاع النقل البحري العالمي في المستقبل المنظور، حيث لم يعد السؤال مقتصرًا على مواعيد الوصول، بل على سلامة الأطقم والوصول سالمين.