
في مشهد يومي يختزل فصول المعاناة في قطاع غزة، يتوجه محمود خلة (40 عاماً) كل صباح إلى مقبرة قريبة في جباليا شمال القطاع، لزيارة قبور عائلته التي مُحيت من السجل المدني في لحظة واحدة، محاولاً استحضار طيف من فقدهم في حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل.
تعود تفاصيل الفاجعة إلى 21 ديسمبر 2023، حين كانت عائلة محمود مجتمعة في منزلها المكون من خمسة طوابق في جباليا. في ذلك المساء، خرج محمود للبحث عن مؤن غذائية في ظل حصار خانق، وبعد 15 دقيقة فقط من خروجه، دوى انفجار هائل؛ لقد استهدفت غارة جوية إسرائيلية المنزل، مما أدى إلى تدميره بالكامل ومقتل 39 شخصاً من أفراد عائلته، بمن فيهم زوجته وأطفاله الثلاثة ووالداه وأشقاؤه.
يستذكر محمود تلك اللحظات بمرارة، حيث حالت الغارات المستمرة وطائرات الاستطلاع دون تمكنه وجيرانه من انتشال الضحايا. يقول: لقد شعرت أنني مت ألف مرة في تلك الليلة، كنت أتخيل أنهم لا يزالون على قيد الحياة تحت الأنقاض وينتظرون النجدة. وفي صباح اليوم التالي، عاد محمود إلى الموقع ليجد أن خمسة طوابق من الركام تحولت إلى مقبرة جماعية لعائلته، حيث استحال الوصول إلى أي ناجين بسبب نقص المعدات وكثافة القصف.
بعد تدمير منزله وفقدان أهله، عاش محمود رحلة قاسية من النزوح والتشرد. لم يجد مأوى يحميه من البرد أو القصف، فكان يقضي لياليه في الشوارع أو داخل السيارات المهجورة، يصارع الجوع والخوف من الموت في كل لحظة. يقول محمود: كنت وحيداً تماماً وبلا مأوى، لا تعرف إن كنت ستنجو من رصاصة أو غارة، ولا تجد مكاناً آمناً تنام فيه.
مع بدء تراجع حدة القصف في وقت لاحق، لم يستطع محمود ترك أفراد عائلته تحت الأنقاض. وبسبب غياب الدعم المؤسسي ونقص الإمكانيات، قرر القيام بالمهمة بنفسه. بمساعدة متطوعين من الجيران، بدأ في مايو الماضي رحلة استمرت ثلاثة أشهر لانتشال رفات أفراد عائلته يدوياً.
يصف محمود تلك العملية بأنها كانت مهمة قلبية قاسية، لكنها منحته أخيراً شعوراً بالراحة بعد أن تمكن من دفنهم في مقبرة قرب جباليا النزلة. يقول بأسى: كان الشعور بأن عائلتي لا تزال تحت الأنقاض دون دفن لا يفارقني، والآن فقط شعرت بنوع من السكينة بعد أن واريناهم الثرى.