
في ظل ظروف الحرب القاسية التي شهدها قطاع غزة، لم يعد طب جراحة التجميل والترميم تخصصاً ثانوياً يُعنى بتحسين المظهر، بل تحول إلى خط دفاع أول لإنقاذ حياة آلاف الجرحى الذين وصلت إصاباتهم إلى مستويات تعقيد تتجاوز القدرات المتاحة.
يؤكد الدكتور بسام المصري، رئيس قسم جراحة التجميل والحروق في مجمع الشفاء الطبي، أن الحروق الواسعة والجروح العميقة التي تترك العظام والأوتار مكشوفة باتت تتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً لمنع الالتهابات والمضاعفات التي غالباً ما تنتهي بالبتر أو الوفاة.
قبل اندلاع الحرب، كان معدل الوفيات بين المصابين بحروق تغطي ما بين 20 إلى 30% من أجسادهم لا يتجاوز 3%، إلا أن هذا الرقم شهد ارتفاعاً حاداً ليصل إلى نحو 70% خلال الحرب، نتيجة نقص الكوادر المتخصصة، وتدمير البنية التحتية للمستشفيات، وشح المستلزمات الطبية والمضادات الحيوية.
ويشير المصري إلى أن الأطفال كانوا الأكثر تضرراً، حيث أدى انعدام الرعاية الأولية وسوء التغذية وفقدان المطهرات إلى تحويل إصابات كان يمكن علاجها إلى حالات قاتلة، موضحاً أن التدخل خلال الساعات الـ 48 الأولى يعد حاسماً في إنقاذ حياة المصابين.
لم يقتصر التحدي على نقص الموارد، بل طال الكوادر البشرية؛ حيث تعرض الطبيب المصري للاعتقال لمدة 47 يوماً في ظروف قاسية، كما فقد القطاع الطبي عدداً من أبرز جراحي التجميل، مثل الدكتور محمد المقادمة والدكتور مدحت صيدم، مما أحدث فجوة كبيرة في القدرة على تقديم الرعاية التخصصية.
في محاولة لسد الفجوة، أطلق الجراح الفلسطيني أحمد مفيد المخللاتي، المقيم في بريطانيا، مشروعاً تدريبياً هجيناً لإنشاء زمالة جراحة التجميل والترميم في مناطق النزاعات. يعتمد هذا البرنامج على تدريب أطباء محليين عبر نظام يدمج بين التدريب السريري الميداني والتعليم عن بعد، بمشاركة خبرات دولية وعربية.
ويهدف البرنامج، الذي يحظى بدعم من برنامج طب النزاعات في الجامعة الأمريكية ببيروت، إلى إعداد جراحين قادرين على التعامل مع الإصابات المعقدة، مع التركيز على نقل المعرفة بدلاً من الاعتماد الكلي على الوفود الأجنبية المؤقتة.
ورغم العقبات اللوجستية والقيود المفروضة على حركة الأطباء والخبراء، يظل هذا المشروع بارقة أمل لاستعادة الخدمات الطبية الحيوية في غزة، وتأهيل كوادر قادرة على مواجهة تحديات المستقبل الطبي في مناطق النزاعات.