
تجد السيدة عائدة، وهي ربة منزل من الضاحية الغربية للعاصمة تونس، نفسها مضطرة للتنقل بين الأسواق والمدن بحثاً عن أسعار تناسب ميزانية أسرتها. تقول عائدة إن مشتريات الأسبوع التي كانت تكلفها في السابق ما بين 10 و20 ديناراً، أصبحت اليوم تستنزف ما بين 40 و50 ديناراً، مما دفعها للاستغناء عن اللحوم والأسماك في معظم أيام السنة.
تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى فجوة كبيرة بين ارتفاع الأسعار وتطور الأجور؛ حيث صعد مؤشر أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية بنسبة 64.3% بين عامي 2019 و2025، بينما لم يرتفع الأجر الأدنى المضمون بالساعة خلال الفترة نفسها إلا بنسبة 30.3%.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، سجل التضخم ارتفاعاً بنسبة 5.6% على أساس سنوي، مع تسجيل قفزات نوعية في أسعار الغذاء (8.4%) والملابس والأحذية (9.2%)، مما يؤكد أن تباطؤ وتيرة التضخم لا يعني تراجع الأسعار، بل استمرار صعودها بوتيرة أقل حدة.
لا تتوقف الضغوط المعيشية عند الغذاء، إذ امتدت إلى قطاعات السكن والطاقة والنقل. فقد أظهرت الإحصاءات ارتفاع مؤشر السكن والماء والغاز والمحروقات بنسبة 32.9%، وزيادة مؤشر النقل بنسبة 31% بين عامي 2019 و2025.
يرى مراقبون، مثل رئيس منظمة إرشاد المستهلك لطفي الرياحي، أن الأزمة تعود لتداعيات التوترات الدولية على سلاسل الإمداد وسنوات الجفاف التي أثرت على الإنتاج المحلي. في المقابل، يعزو خبراء اقتصاديون بعض الزيادات إلى اختلالات في مسالك التوزيع وسياسات مكافحة الاحتكار.
من جانبها، تؤكد وزارة التجارة التزامها بمراقبة الأسواق والتحكم في الأسعار، معتبرة التخزين أداة لتعديل السوق في فترات نقص الإنتاج، رغم استمرار شكاوى المواطنين من عدم توفر بعض المواد الأساسية المدعمة مثل الزيت النباتي والسكر.
تضع هذه المؤشرات الاقتصادية شعار الدولة الاجتماعية أمام اختبار صعب؛ فمع رصد ميزانية تقارب 4079 مليون دينار لدعم المواد الأساسية في عام 2026، تظل الفجوة بين المخزونات المعلنة والواقع المعيشي للمواطن هي التحدي الأبرز، مما يطرح تساؤلات جدية حول فاعلية مسالك التوزيع والقدرة على حماية القوة الشرائية للأسر التونسية.