
في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية، بات الأمن الغذائي ركيزة أساسية لقوة الدول، بينما يمثل عدم الأمن الغذائي نقطة ضعف استراتيجية. وقد برز مصطلح إعصار الجوع (Hunger Hurricane) -الذي ظهر لأول مرة عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية- لوصف ظاهرة بنيوية لا تقتصر على كونها حالة طارئة، بل تهديداً مستمراً يضرب المجتمعات بغير تمييز.
تتجلى ملامح هذا الإعصار في تقلبات مناخية حادة، تشمل عدم انتظام الأمطار، شح المياه الجوفية والسطحية، اتساع رقعة الجفاف، وتزايد الحرائق، وهي عوامل تتضافر لتقويض الإنتاج الزراعي العالمي، بعيداً عن مفهوم المجاعة التقليدية التي ترتبط عادة بسنة جفاف استثنائية أو صراعات عابرة.
يعزو الخبراء تفاقم هذه الظاهرة إلى ثلاثة محركات رئيسية:
تواجه دول في العالم العربي وضعا غذائيا كارثيا، مثل اليمن والسودان، وإلى حد ما مناطق في سوريا، وهو وضع ناجم عن اهتزازات سياسية، ويزيد إعصار الجوع من استفحال المشكلات السياسية؛ أي إن العلاقة جدلية بين الأوضاع السياسية والجوع، فهذا يغذي ذاك.
تستحوذ دول الخليج على حصة كبيرة من الإنتاج العالمي للأسمدة النيتروجينية والكبريت، وتأثرت دول مثل المغرب سلباً بارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج الضرورية. هذا الاختلال في توفر الأسمدة يهدد بوضوح مردودية المحاصيل الاستراتيجية كالقمح في مصر والأرز في الهند.
ويشير الاقتصاديون إلى أن خطر إعصار الجوع يتضاعف بفعل المضاربات المالية التي تحتكر الأسواق الغذائية، مما يؤدي إلى تضخم الأسعار وندرة المواد الأساسية، وهو ما يغذي بدوره التوترات الاجتماعية ويدفع نحو موجات هجرة جديدة.
من المحتمل أن يكون الإعصار المقبل أقوى من سابقه وأثره أكبر. وتشير التقارير الأولية إلى بداية آثاره في بيرو، مع ارتفاع الحرارة هناك، وفي الهند، وتأثيره في زراعة القهوة التي تدنى إنتاجها، وفي إندونيسيا وفيتنام. ومن المحتمل أن تكون آثار النينيو أشد وطأة في المواد الأساسية، وهي مرشحة لأن تنخفض.
أمام هذا الواقع، بات لزاماً على الدول العربية، لا سيما تلك ذات الكثافة السكانية العالية مثل مصر والجزائر وتونس والعراق والسودان، تبني استراتيجيات جديدة تشمل: