
في ظل الأزمات المتلاحقة، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز مجرد توفر الغذاء في الأسواق: من يقرر ماذا نأكل؟. هذا السؤال الذي يطرحه خبراء النظم الإيكولوجية والقانون الدولي، يضع الإصبع على الفارق الجوهري بين الأمن الغذائي بمفهومه التقليدي، وبين السيادة الغذائية التي تمنح الشعوب حق تحديد نظامها الإنتاجي.
في قطاع غزة، يجسد بنك القرارة للبذور المحلية نموذجاً حياً لهذه السيادة. فالمزارع راسم فياض يتبع دورة إنتاجية تبدأ باقتراض البذور وتنتهي بإعادة جزء منها للبنك والاحتفاظ بالآخر للموسم التالي. هذا النظام، الذي أُعيد إحياؤه في خيمة بدير البلح، يهدف إلى حماية الأصناف المحلية من الاندثار في ظل الحرب وصعوبة الحصول على مستلزمات الزراعة.
يرى الخبراء أن تكدس السلع في المتاجر لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن الغذائي؛ فوجود 1.5 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي في مدينة مثل نيويورك يثبت أن القدرة الشرائية هي المعيار الحقيقي. إن السيادة الغذائية تنقل النقاش إلى من يملك قرار زراعة المحاصيل، وأي إنتاج يحظى بالدعم، ولمن تُوجه الموارد، بعيداً عن تحكم التكتلات والشركات الكبرى في نظم الغذاء العالمية.
موسم كان ينتظره مزارعو غزة من عام إلى آخر تحول بفعل الحرب إلى معاناة يومية وسط تجريف المزارع وتراجع الإنتاج وارتفاع التكاليف #رقمي pic.twitter.com/oVSfDhQRTz
— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) October 17, 2026
تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن دعم بنك البذور يهدف لإبقاء البذور في دورة إنتاج محلية، إلا أن هذه الجهود تصطدم بقيود الواقع؛ فالأصناف المتاحة لا تغطي المحاصيل الأساسية كالطماطم والخيار، والتربة تعاني من الإنهاك. يوضح المحللون أن استعادة أحد عناصر الإنتاج لا تحرر المزارع من قيود المياه والأرض، لكنها تظل خطوة ضرورية لإعادة التحكم في القرار الزراعي.
لعبة الجوع.. كيف أصبح الغذاء سلاحًا في صراع النفوذ والسيطرة؟
شاهد حلقة #للقصة_بقية على منصات #الجزيرة الرقمية pic.twitter.com/BWBOVCKsVE— قناة الجزيرة (@AJArabic) October 19, 2026
تاريخياً، أثبتت احتجاجات المزارعين في الهند، التي أدت لإلغاء قوانين زراعية مثيرة للجدل، أن التنظيم الجماعي هو السبيل الوحيد للتأثير في السياسات الزراعية. إن السيادة الغذائية لا تعني الانقطاع عن التجارة العالمية، بل تعني إعطاء الأولوية للاقتصادات المحلية وضمان شفافية التعاملات، بحيث لا يكون المزارع مجرد منفذ لأجندات خارجية، بل شريكاً في صياغة القواعد التي تحكم قوت يومه.