
لم تعد الهجمات السيبرانية مجرد أداة لسرقة البيانات المالية أو الشخصية، بل تحولت إلى سلاح ذي أثر فيزيائي ملموس يهدد استقرار سلاسل الإمداد الغذائي. فقد كشفت الأيام الماضية عن موجة من الهجمات التي استهدفت أنظمة التبريد في المتاجر الكبرى، مما يضع البنية التحتية الحيوية للمدن أمام تحدٍ أمني غير مسبوق.
شهدت فرنسا مؤخراً هجوماً سيبرانياً واسع النطاق استهدف أنظمة التحكم في درجات الحرارة داخل سلاسل المتاجر الكبرى، مما أدى إلى تلف كميات ضخمة من المواد الغذائية. وفي سياق متصل، تعرضت سلسلة متاجر ألبرت هيغن الهولندية لهجوم مماثل دفعها لإيقاف سلاسل الإمداد كإجراء احترازي، مما تسبب في خلو أرفف المتاجر من البضائع.
ويشير خبراء الأمن السيبراني إلى أن هذه الهجمات لا تتطلب مهارات تقنية معقدة بقدر ما تتطلب استغلالاً لثغرات في أنظمة التكنولوجيا التشغيلية. ويوضح المهندس كيفن تيلييه، من شركة سيناكتيف الفرنسية، أن هذا النوع من الهجمات يتميز بأثر ممتد يمس الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر، مشيراً إلى أن بساطة تنفيذها قد تسمح حتى لغير المتخصصين بشنها.
تكمن المشكلة الأساسية في أن المتحكمات المسؤولة عن إدارة درجات الحرارة والإنذار في هذه المتاجر تعتمد على برمجيات تعاني من ثغرات معروفة. ورغم تحذيرات الشركات المصنعة بضرورة تحديث الأنظمة، إلا أن طبيعة عمل هذه المعدات التي تتطلب تشغيلاً مستمراً لسنوات طويلة تجعلها عرضة للاختراق.
من جانبه، يؤكد ريف بيلينغ، مدير استخبارات التهديدات في شركة سوفوس، أن الهجمات السيبرانية على قطاع التجزئة انتقلت من النطاق الرقمي إلى النطاق المادي، حيث أصبحت تهدد صمود المدنيين من خلال استهداف مخزون الغذاء.
مع دخول الذكاء الاصطناعي كعامل مساعد في تسهيل تنفيذ هذه الهجمات، يرى الخبراء أن ما يحدث في أوروبا قد يكون مجرد بداية. فمع اعتماد المتاجر الكبرى على أنظمة إدارة مركزية متصلة بالإنترنت، تصبح هذه المنشآت هدفاً سهلاً للقراصنة، مما يفرض على المتاجر في مختلف دول العالم، بما فيها الدول العربية، ضرورة مراجعة معايير الأمن السيبراني لأنظمتها التشغيلية قبل أن تتحول هذه الثغرات إلى أزمات غذائية حقيقية.