
تتدفق الأوبئة الفتاكة عبر القارات بسرعة غير مسبوقة، مما يضع العالم أمام أسئلة وجودية تتجاوز الطب التقليدي. لم يعد التساؤل مقتصراً على المصادر الجينية للفيروسات، بل انتقل إلى بحث علمي وفلسفي عميق حول كيفية اقتحام الأمراض حيوانية المنشأ للحصون البشرية بضراوة متزايدة.
تؤكد المعطيات الصادرة عن المنظمة العالمية لصحة الحيوان ومنظمة الصحة العالمية أن ما لا يقل عن 60% من الأمراض المعدية التي تصيب البشر هي ذات أصل حيواني، كما أن 75% من الأمراض الناشئة خلال العقود الثلاثة الماضية انتقلت من الحيوانات إلى الإنسان.
لم يعد ممكنا النظر إلى الجائحة أو الأزمة الصحية كحادث بيولوجي معزول عن محيطه الحيوي والاجتماعي، بل أضحت الحاجة ملحة لصياغة رؤية فلسفية جديدة تعيد الاعتبار للتكامل الوجودي بين الإنسان وعالمه.
قبل أن تتبنى الهيئات الدولية مفهوم الصحة الواحدة (One Health) كإستراتيجية وقائية، كان هذا النهج ركناً أساسياً في الطب العربي القديم. فقد نظر علماء مثل ابن سينا وابن خلدون للجسد البشري ضمن شبكة حيوية معقدة تتأثر بالمناخ والبيئة، حيث كان يُنظر للصحة كحالة توازن بين الداخل الإنساني والخارج الطبيعي.
غير أن هذا التوازن تعرض لانكسار حاد مع الثورة الصناعية، حيث تحولت الطبيعة في المتخيل الاقتصادي إلى مستودع للربح، واختُزل الحيوان إلى وحدة إنتاجية في مزارع مكتظة. ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أدى النشاط البشري إلى اضطراب أكثر من 75% من البيئة البرية، مما سهل انتقال الممرضات أو ما يعرف بـ القفز الصنفي (Spillover) بنسبة زادت عن 31%.
وفقا لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، فإن النشاط البشري أدى إلى تغير واضطراب ما يزيد على 75% من البيئة البرية و60% من البيئة البحرية على كوكب الأرض.
تعد المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم تأثراً بالتقلبات المناخية، حيث ترتفع درجات الحرارة فيها بمعدل ضعف المتوسط العالمي، وتواجه 18 دولة منها إجهاداً مائياً شديداً، بينما يعاني 73% من أراضيها من التصحر. هذا الضغط البيئي يدفع الحيوانات والحشرات الناقلة للأمراض للهجرة نحو التجمعات السكانية، مما يخلق نقاط تماس خطيرة.
وتتفاقم الأزمة بسبب مقاومة مضادات الميكروبات (AMR)؛ إذ تشير الدراسات إلى أن نحو 80% من المبيعات العالمية للمضادات الحيوية تُستخدم في القطاع الحيواني. وفي المنطقة العربية، تظهر العينات الغذائية والحيوانية نسباً مقلقة من الميكروبات المقاومة للأدوية، مما ينذر بكارثة صحية اقتصادية بحلول عام 2050.
إن الانتقال نحو مستقبل صحي يتطلب تجاوز الحلول الترقيعية نحو ثورة بنيوية تشمل:
إن الشفاء الحقيقي والاستدامة الصحية في المنطقة العربية لن يتحققا إلا بإبرام صلح إيكولوجي شامل مع المحيط الحيوي، واستعادة التوازن البيئي الذي يضمن بقاء الإنسان واستقرار مجتمعاته.