
تعيش فرنسا مرحلة مفصلية تتسم باضطرابات عميقة، حيث تتقاطع أزمات الشغب الشعبي مع تعثر مالي وشلل سياسي خانق، مما وضع الرئيس إيمانويل ماكرون في مأزق حقيقي يهدد استقرار ولايته، ويمنح اليمين المتطرف زخماً متصاعداً في المشهد السياسي.
وتواجه الحكومة الفرنسية معضلة اقتصادية مزدوجة؛ فهي محاصرة بين مطالب المحتجين بزيادة الإنفاق الاجتماعي لتهدئة الشارع، وبين ضغوط المستثمرين لتقليص العجز المالي. وقد انعكس هذا القلق على الأسواق، حيث بلغت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات مستويات قياسية هي الأعلى منذ عام 2002، مع اتساع الفجوة مع السندات الألمانية إلى مستويات غير مسبوقة منذ أزمة الديون الأوروبية.
أدى الانفلات الأمني في عدة مدن فرنسية، والذي تخلله تخريب للمباني الحكومية ونهب للمتاجر، إلى إثارة تساؤلات حول قدرة السلطات على السيطرة، خاصة بعد رفض ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز. وفرضت السلطات إجراءات استثنائية وحظر تجول في مدن كبرى مثل باريس وليون وليل ونيس، في وقت تتسع فيه رقعة الاحتجاجات لتشمل قطاعات طلابية ونقابية واسعة.
ويشير محللون إلى أن الأزمة تتجاوز الانفلات الأمني إلى غياب القيادة السياسية الفعالة، خاصة بعد النتائج غير الحاسمة للانتخابات المبكرة التي أُجريت عام 2024، مما جعل البرلمان الفرنسي عاجزاً عن تشكيل أغلبية متماسكة قادرة على تمرير إصلاحات جذرية.
يتجاوز السخط الشعبي المطالب المعيشية ليصل إلى مخاوف وجودية من مستقبل غامض، حيث تعاني الأجيال الشابة من ضغوط أزمة المناخ، وتحديات الذكاء الاصطناعي، وتكاليف التقاعد المرتفعة. وفي ظل دين عام يناهز 119% من الناتج المحلي الإجمالي، تواجه الحكومة معضلة تمويل فوائد الدين التي يُتوقع أن تتجاوز 90 مليار يورو العام المقبل، متخطية ميزانيات الدفاع والتعليم.
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، تظهر مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، كأبرز المستفيدين من حالة التخبط السياسي، متصدرة استطلاعات الرأي. وبينما تطرح لوبان وعوداً شعبوية مثل خفض سن التقاعد، يثير اليسار المتطرف بقيادة جان لوك ميلانشون مخاوف إضافية في الأسواق باقتراحات تتعلق بإعادة هيكلة الدين العام.
إن استمرار الشلل السياسي وغياب الحلول الاقتصادية الحقيقية قد يجعل من صعود اليمين المتطرف النتيجة الأبرز لأزمة لا تهدد الحكومة فحسب، بل مستقبل فرنسا كدولة وموقعها داخل النظام الدولي.