
في تحول سياسي لافت، لم يعد ربط الأزمات الاجتماعية في أوروبا بالإسلام مقتصراً على خطابات اليمين المتطرف، بل امتد ليشمل أروقة البرلمان الأوروبي، الذي أقر مؤخراً قراراً يهدف إلى مواجهة ما أسماه التغلغل الإسلامي ونفوذ شبكة الإخوان المسلمين.
صوت البرلمان الأوروبي لصالح القرار بأغلبية 381 صوتاً مقابل 167 صوتاً، بدعم من كتل كبرى، على رأسها حزب الشعب الأوروبي (EPP)، بالإضافة إلى كتل اليمين المتطرف، والليبراليين، والمحافظين والإصلاحيين. في المقابل، عارض القرار كل من الديمقراطيين الاجتماعيين، وكتلة اليسار، والخضر، لكن دون أن ينجحوا في إيقافه.
يستند القرار في جوهره إلى تقرير مثير للجدل صادر عن الحكومة الفرنسية، ويُعرّف التغلغل الإسلامي بأنه استراتيجية سياسية تهدف إلى الاختراق المؤسسي والشرعنة الأيديولوجية. ويدعي القرار أن المجموعات المسلمة تستخدم أطر التنوع والشمول ومناهضة التمييز كغطاء لدمج الهوية الدينية المسيسة داخل مؤسسات المجتمع المدني.
رغم أن القرار غير ملزم قانوناً لدول الاتحاد الأوروبي، إلا أنه يحمل دلالات رمزية وسياسية خطيرة. فهو يضع المؤسسات والمنظمات الإسلامية المستقلة تحت طائلة الشبهة، ويُصور أي نشاط مدني للمسلمين في الفضاء العام على أنه شكل من أشكال التسلل.
وقد ذهب القرار إلى حد تسمية منظمات بعينها، مثل الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية (ENAR)، مطالباً بقطع التمويل الأوروبي عنها، مما يفتح الباب أمام الإدانة بالارتباط لأي جهة تتعامل مع هذه المؤسسات.
يشير التحليل إلى أن القرار يعكس تقاطعاً في المصالح بين التيارات المحافظة واليمين المتطرف، حيث يسعى حزب الشعب الأوروبي إلى امتصاص أجندة اليمين المتطرف وتغليفها بمصطلحات الأمن القومي. كما يلاحظ وجود تأثيرات خارجية، حيث شاركت شخصيات دبلوماسية في مؤتمرات سابقة داخل البرلمان تروج لخطاب التهديد الإسلامي، في محاولة لاستغلال هذه القوانين لتصفية حسابات سياسية مع أطراف إقليمية مثل قطر وتركيا.
يؤكد التقرير أن هذه السياسات تهدف إلى ضرب التيار اليساري الذي يدافع عن حقوق المسلمين، عبر ترويج مصطلح الإسلاموية اليسارية (Islamo-gauchisme). ويشبه هذا النهج نظريات المؤامرة التاريخية التي كانت تستهدف الأقليات، بهدف خلق أوروبا حصينة خالية من الحضور الإسلامي الفاعل.
إن هذا التوجه يعكس تطوراً في الإسلاموفوبيا الأوروبية؛ حيث لم يعد الخوف من المهاجر كغريب غير مندمج، بل من المسلم القادر على الدفاع عن حقوقه المدنية. وبذلك، يتحول استهداف المسلمين إلى أداة بيد السياسيين لصرف الانتباه عن إخفاقاتهم في إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية.