
في مشهد يعكس تدهور الخدمات الطبية، يصل المريض إلى المستشفى صائماً لإجراء عملية جراحية، ليتفاجأ بقرار التأجيل بسبب نقص حاد في أدوية التخدير والمستلزمات الأساسية. هذه الأزمة ليست مجرد نقص في الإمدادات، بل هي أزمة إدارة وهدر تكشفها أرقام رسمية صادمة عن أدوية اشترتها الدولة وتركتها لتنتهي صلاحيتها في المخازن.
كشفت مراجعة رقابية لديوان المحاسبة، بالتعاون مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، أن ليبيا أنفقت نحو 11.82 مليار دينار (حوالي 2.46 مليار دولار) على توريد الأدوية للقطاع العام خلال الفترة ما بين 2022 و2025، دون أن تضمن هذه الفاتورة الضخمة وصول العلاج للمرضى في وقته المناسب.
أكد أحمد محمد النقيق، عضو اللجنة العليا لتنفيذ التعاون الإستراتيجي لمكافحة الفساد، أن عملية شراء الأدوية تحولت من جهة مركزية واحدة عام 2022 إلى أكثر من 25 جهة عام 2025، مما أدى إلى تشتت الإنفاق وتعدد الأسعار وإضعاف القدرة التفاوضية للدولة.
وأشار التقرير إلى تذبذب الإنفاق بشكل لافت، حيث قفزت الميزانية بنسبة 134% في عام 2023 مقارنة بعام 2022، قبل أن تشهد تراجعاً حاداً في عام 2025 بنسبة تقارب 48%. وأوضح النقيق أن تقدير الاحتياجات كان يتم بشكل عشوائي دون ربط دقيق بالاستهلاك الفعلي، مما أدى إلى تكدس أصناف غير مطلوبة ونقص في أخرى حيوية.
أظهرت المراجعة وجود أدوية منتهية الصلاحية في المخازن يعود تاريخ بعضها إلى عام 2001، وسط غياب تام لآلية التخلص الآمن منها. ومن أبرز الأمثلة رصد مليوني قرص من دواء كاربيدوبا بقيمة تقارب 735 ألف دولار، أوشكت صلاحيتها على الانتهاء دون أن تُستخدم، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من شبهات مخالفات مالية في عقود بعض الشركات الموردة.
من جانبه، حذر الدكتور عبد الحفيظ الجهاني، رئيس الجمعية الليبية لطب وزراعة الكلى، من أن نقص الأدوية والمستلزمات يضع الفرق الطبية أمام خيارات صعبة، حيث يضطر الأطباء لإلغاء العمليات في اللحظات الأخيرة. وأكد أن النقص يمتد ليشمل أدوية الكلى، الأورام، الإنسولين، وحتى مستلزمات الجراحة البسيطة كالشاش والقفازات.
وأضاف الدكتور حسن المصراتي، نائب مدير مستشفى الأمراض الصدرية، أن المرضى باتوا يضطرون لشراء علاجاتهم الخاصة أو السفر للخارج، مما يحمل الأسر أعباءً مالية باهظة تصل إلى بيع ممتلكاتهم الشخصية لتوفير ثمن الدواء.
في محاولة لتدارك الموقف، أصدر جهاز الإمداد الطبي في أكتوبر 2026 أدلة جديدة لتأهيل الموردين وإدارة المخزون وتتبع الأدوية. وتوصي الجهات الرقابية بضرورة العودة إلى نظام الشراء المركزي، وتطوير نظام رقمي شفاف لتتبع الأدوية، والتحقيق في تضخم اعتمادات بعض الشركات، لضمان تحويل الميزانيات إلى خدمات صحية ملموسة بدلاً من مخزون راكد في المخازن.