
في أعالي جبال وادي غوادالهورسي بجنوب إسبانيا، حيث تتشبث القرى ذات البيوت البيضاء بسفوح التلال، بدأت تتشكل ملامح حياة جديدة لمسلمين وجدوا في هذا الإقليم ما يربطهم بجذور التاريخ والسكينة النفسية. في بلدة ألورا التي تعود جذور اسمها إلى العربية، تروي هنريتا زوفاتي، وهي بريطانية-مجرية مسلمة، قصة انتقالها من صخب الحياة في بريطانيا إلى هدوء الريف الإسباني.
منذ عامين، بدأت هنريتا وزوجها أجمل مسرور، وهو معالج وإمام، في تحويل مزرعة قديمة إلى ما أسمياه بيت الأندلس. لا يقتصر المشروع على الزراعة فحسب، بل يهدف إلى تقريب الناس من التاريخ الإسلامي لجنوب إسبانيا والارتباط بالطبيعة. تضم المزرعة حالياً 14 هكتاراً مزروعة بأشجار الزيتون، مع طموحات لزيادة الإنتاج وتوسيع الرقعة الخضراء التي تشتهر بإنتاج الحمضيات والمانجو.
ترى هنريتا أن ممارسة الإسلام في إسبانيا أكثر سهولة مقارنة بتجربتها في بريطانيا، حيث تشعر أن هويتها كمسلمة غالباً ما تُوضع في سياق سياسي مثير للجدل. في الجبال الإسبانية، تبني هنريتا علاقاتها مع جيرانها، مثل خوان غارسيا، على أساس الجيرة والتعامل اليومي. تقول: Circumstances change, but community, connections and faith don’t (تتغير الظروف، لكن المجتمع والروابط والإيمان لا يتغيرون).
يشير الكاتب والمؤرخ طارق حسين، مؤلف كتاب مسلمو أوروبا، إلى أن الانجذاب نحو الأندلس مفهوم؛ فهي المنطقة التي شهدت ازدهار الحضارة الإسلامية في أوروبا لقرون، تاركةً إرثاً لا يزال ملموساً في العمارة، واللغة، ونظم الري. بالنسبة للعديد من المسلمين، لا تمثل الأندلس مجرد تاريخ، بل مساحة للعيش حيث لا يُنظر إلى إيمانهم كعنصر اختلاف جذري.
ومع ذلك، تدرك هنريتا أن إسبانيا ليست بمنأى عن التيارات السياسية اليمينية التي تثير مخاوف بشأن الهجرة، لكنها تختار التركيز على بناء روابط إنسانية حقيقية. ففي زيارة لجارتها الكاثوليكية ماريا، لم تجد هنريتا أي حواجز؛ إذ يجمعهما جوهر القيم الإنسانية المشتركة، وهو ما يجعل من الأندلس بالنسبة لها وطناً يتجاوز حدود الجغرافيا.