
خلف جدران الجامع الأزهر التاريخي في القاهرة، لا تزال مكتبة عبد الظاهر تقاوم صخب التكنولوجيا الرقمية، محتفظةً بعالمٍ لم تغادره رائحة الورق المعتّق، ولا ملمس الجلود الطبيعية، ولا هيبة حروف الرصاص. هنا، لا تُصنع الكتب بضغطة زر، بل تُبنى حرفةً يدويةً تتوارثها العائلة منذ أربعة أجيال.
تستحضر المكتبة في جوهر عملها تقنيات يوهانس غوتنبرغ في الطباعة بالحروف المعدنية المتحركة، حيث يتم جمع الحروف منفصلةً لتكوين الكلمات والصفحات، ثم تحبيرها والطباعة بها، قبل تفكيكها وإعادتها لأدراجها. بدأت رحلة المكتبة عام 1936، ومنذ ذلك الحين، مرت بين أيدي صناعها نفائس الكتب مثل تفسير القرطبي، ووصف مصر، والخطط المقريزية، وصولاً إلى نسخ قديمة من المصحف الشريف حُفظ بعضها في المتحف الإسلامي.
مع تراجع سوق الكتب القديمة، لم تستسلم عائلة عبد الظاهر، بل طوعت أدواتها الموروثة لابتكار مسارات جديدة. تقول هند عبد الظاهر (46 عاماً)، التي أدارت المكتبة بعد وفاة والدها عام 2014، إن العائلة اتجهت لصناعة دفاتر الملاحظات (النوت بوك) الفاخرة، لتلبي ذائقة جمهور يبحث عن لمسة شخصية، مثل كتابة الأسماء بأسلوب الطباعة اليدوية التقليدية.
يمثل يوسف، ابن هند، الجيل الرابع في العائلة، وهو طالب إدارة أعمال ارتبط بالمكتبة منذ طفولته. يوضح يوسف أن المكتبة تضم أكثر من 360 شكلاً للحروف العربية والإنجليزية واليونانية، مؤكداً أن الحفاظ على درج الحروف هو صونٌ لذاكرة العائلة، حيث بات من الصعب تعويض هذه القطع المعدنية مع ندرة صُنّاعها.
لم تتوقف شهرة المكتبة عند الطباعة، بل امتدت لتشمل أعمالاً فنية بارزة؛ فقد استعان بها الفنان الراحل نور الشريف في التسعينيات لتجليد مخطوطات تاريخية لأعماله الفنية. كما كان للمكتبة دورٌ استثنائي في صناعة سجل ضيوف المتحف المصري الكبير، وهو كتاب ضخم ضم ألف ورقة، استُخدم في صناعته جلد الماعز الصحراوي، مع تعتيق يدوي للأوراق ليحاكي عراقة التاريخ المصري.
تظل مكتبة عبد الظاهر نموذجاً حياً للصمود أمام عولمة الإنتاج، حيث تواصل العائلة الربط بين مهارة اليد وحياة قراء وكُتّاب العصر الجديد، مؤكدة أن الحرفة التي بدأت قبل قرابة قرن لا تزال قادرة على ترك بصمتها في زمن الرقمية.