
يواصل الكاتب القطري عبدالعزيز آل محمود، صاحب روايتي القرصان والشراع المقدس، مشروعه في إعادة قراءة التاريخ من زوايا إنسانية، مبتعداً عن التناول التقليدي للأنظمة السياسية، ليغوص في روايته الجديدة سلسلة النار في تفاصيل حياة عالم شيرازي عاش في القرن السادس عشر، تداخلت مساراته الشخصية مع صراعات القوى العظمى آنذاك.
تستعيد الرواية شخصية الميرزا، الرجل الذي خبر مجالس الحكم من الداخل قبل أن تضطره التحولات السياسية ومقتل الشاه إسماعيل الثاني إلى الفرار نحو الدولة العثمانية. يعتمد آل محمود في بناء عمله على مزيج من المراجع التاريخية العربية والفارسية، ليقدم لنا شخصيةً متعددة الأبعاد: عالمٌ يحمل ثقافة القصور، ومهجّرٌ يرى العالم بعيني المطارد.
تتخذ الرواية من مكة نقطة انطلاق للسرد، حيث يملي الميرزا حكايته على طالبين، محولاً لحظة النجاة إلى بوابة لاسترجاع رحلة طويلة من الطموح، الحب، والاغتراب. ومن هذا المجلس، تتسع الرواية لتشمل طرابزون والبندقية، راسمةً خرائط لمصالح الدول، وسفارات الظل، وثارات عائلية تُورث للأجيال.
يبدع آل محمود في تجسيد القمع من خلال تفاصيل دقيقة؛ كإغلاق الأبواب عند الصلاة، أو الدروس السرية، أو الحذر في انتقاء الألفاظ داخل الأسرة. تكشف الرواية كيف تتسلل السياسة إلى تربية الأطفال، وكيف يتحول الحذر إلى سلوك يومي، وصولاً إلى محاكمة الميرزا بناءً على مكتبته وقراءاته التي فُسرت بجهلٍ وانغلاق.
في عالم الرواية، يتغير إيقاع السرد بتغير المكان؛ ففي الموانئ يتسع المشهد للوجوه واللغات والبضائع، بينما في القصور يضيق ليصبح همساً محفوفاً بالمخاطر. يبرز الكاتب كيف أن المسافة في ذلك الزمن كانت تُقاس بتعب الجسد وخوف الروح، وكيف يظل الخوف من السلطة ملازماً للمرء حتى بعد أن يقطع مسافات شاسعة بعيداً عنها.
تضيف شخصية باريهان، ابنة الشاه طهماسب، بُعداً عاطفياً وإنسانياً للرواية. فهي سيدة نفوذ تتقاطع طموحاتها السياسية مع مشاعرها تجاه الميرزا. هذه العلاقة تكشف التناقض بين القوة في العلن والعجز عن اتخاذ قرارات شخصية، مما يمنح الرواية توتراً درامياً يمتد إلى ما بعد لحظة الفرار والنجاة.
تُعد سلسلة النار تعبيراً عن انتقال الخصومات من جيل إلى آخر، حيث يجد الأبناء أنفسهم ورثة لعداوات لم يصنعوها. يعيد عبدالعزيز آل محمود تتبع جذور هذا الانقسام في التاريخ الصفوي، وكيف استُخدم المذهب كأداة لإحكام الولاء، ليخرج القارئ بسؤال أعمق: كيف يمكن للسياسة أن تظل قادرة على تمزيق حياة الناس حتى بعد رحيل من أشعلوا فتيلها؟