
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يبرز طريق بحر الشمال كملف استراتيجي يثير جدلاً واسعاً حول قدرته على إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية، في وقت تتقارب فيه الرؤى الروسية والصينية لترسيخ نفوذهما في القطب الشمالي، وسط تساؤلات حول مدى قدرة أوروبا على مجاراة هذا الواقع الجديد.
تتسارع خطى التعاون اللوجستي بين بكين وموسكو لتثبيت التواجد في القطب الشمالي، عبر اتفاقيات تشمل توسيع نقل البضائع، وزيادة الرحلات البحرية، وتطوير أسطول كاسحات الجليد النووية. وتأتي هذه التحركات كاستجابة مباشرة للاستراتيجية الأوروبية التي تحاول مواجهة النفوذ المتنامي للبلدين، إلا أن خبراء يرون أن الخيارات الأوروبية تظل محدودة أمام سيطرة موسكو على تراخيص العبور وبنيتها التحتية المتقدمة في الشمال.
ويبرز الطريق كبديل جذاب، خاصة مع الاضطرابات التي تشهدها الممرات التقليدية؛ إذ تشير بيانات إلى إمكانية تقليص زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا بنسبة تصل إلى 35 بالمئة مقارنة بقناة السويس. ومع ذلك، لا يزال الممر يمثل جزءاً هامشياً من حركة الشحن العالمية (نحو 0.3 بالمئة)، مع توقعات بوصوله إلى 1 بالمئة بحلول عام 2030، حيث تتركز معظم الحركة حالياً على شحنات الطاقة والغاز المسال.
يرى الدكتور عماد الدين المصبح، أستاذ الاقتصاد، أن هناك فرقاً جوهرياً بين الشريان التكميلي والبديل الشامل. ويوضح: تظل النافذة الملاحية محصورة في أشهر الصيف والخريف، بينما تفرض بقية السنة تكاليف باهظة لاستخدام كاسحات الجليد، فضلاً عن غياب الموانئ ومراكز الترانزيت التي تعد عصب التجارة الحديثة.
ويضيف المصبح أن التباين في الأولويات يضع أوروبا في موقف حرج؛ فبينما تركز بروكسل على المعايير البيئية والحوكمة، تنتهج روسيا والصين منطقاً نفعياً جيواقتصادياً مباشراً، مما يدفع أوروبا نحو تعزيز تواجدها الأمني عبر حلف الناتو لحماية بنيتها التحتية الحيوية كالكابلات البحرية.
يتجاوز مشروع طريق الحرير القطبي حدود المسافات الجغرافية؛ إذ يؤسس لنظام لوجستي ومالي يعمل خارج نطاق العقوبات الغربية. ويشير الخبراء إلى أن تسوية المعاملات بالعملات الوطنية (كالروبل واليوان) وتغطية التأمين من قبل شركات شرق آسيوية، يعيد توجيه موارد الطاقة القطبية نحو الأسواق الآسيوية، مما يثبت تحول مركز الثقل التجاري نحو الشرق.
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي علي حمودي أن طريق بحر الشمال يظل مساراً استراتيجياً بديلاً وليس بديلاً كلياً للممرات التاريخية. ويحدد حمودي استجابة أوروبا الفاعلة في أربع نقاط:
وتتحول منطقة القطب الشمالي في نهاية المطاف من تخوم هامشية إلى ساحة مركزية للمنافسة الاستراتيجية، حيث لن تكون السيطرة على المسار وحده هي الفيصل، بل القدرة على وضع قواعد الطريق في نظام تجاري دولي يتجه نحو مزيد من الانقسام.