
يتردد الاربعيني محمد مفلح أحد سكان حي حدة بالعاصمة صنعاء على احدى المستشفيات الحكومية من أجل متابعة الحالة الصحية لنجله الثالث صالح عندما لاحظ جيرانه جسده النحيل مقارنة ببقية اطفال الحي الذي يقيم فيه والد صالح..
منذ الأسابيع الأولى من ولادة صالح كان جسده النحيل شاهداً على أنه لم يكن في وضع طبيعي اسوة بأقرانه من الأطفال الرضع، تلك العلامة كانت دافعاً لحث جيران مفلح على أن يتوجه به لأقرب المستشفيات لمعرفة الحالة الصحية لنجله..
وبعد إجراء الفحوصات الطبية اتضح أن الطفل صالح يعاني من سوء التغذية الوخيم الحاد، وهو المرض الذي كاد أن يودي بحياته وهي المشكلة التي كان مفلح يعمل حارساً لإحدى البنايات السكنية يتوقع حدوثها إذ أنه لم يكن قادراً على توفير المتطلبات الغذائية لعائلته بسبب قلة دخله المالي، ويقول صالح«بالكاد أستطيع توفير ما يسد رمق عائلتي من غذاء وفي بعض الأحيان تكتفي بوجبة واحدة أو وجبتين».

في الغالب لا يأتي الآباء والأمهات للمشافي من أجل انقاذ أبنائهم المصابين بسوء التغذية إلا في الأوقات الحرجة هذا ما تؤكده نجوى الأمير في حديها مع "النداء"، وهي اخصائية متطوعة في التغذية العلاجية بمستشفى السبعين للأمومة والطفولة بالعاصمة صنعاء، هذه الإشكالية وفقاً لنجوى تفاقم من سوء الحالة الصحية للطفل المصاب، وبالتالي تتسبب بمضاعفة جهود إنقاذ حياته من الموت من قبل الفرق الصحية بالمستشفى.
في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول الفائت قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أنها تتوقع أن يعاني 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء تغذية حاد هذا العام في اليمن، وأن يعاني أكثر من نصف مليون طفل من سوء التغذية الحاد الشديد.
محذرة من تزايد حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال في اليمن، بما في ذلك الحالات الأكثر خطورة، في وقت يحرم فيه القتال السكان من الوصول إلى الرعاية الصحية ومراكز العلاج.
وقال أخيل آير ممثل اليونيسف في اليمن «أن أكثر من ربع نحو 2900 طفل خضعوا للفحص في الأسابيع القليلة الماضية بواسطة فرق اليونيسف المتنقلة للتغذية في المناطق التي يمكن الوصول إليها يعانون من سوء تغذية حاد، وأن 200 من هؤلاء صنفت حالاتهم على أنها شديدة، وهي أخطر الفئات».
وفي احاطة أخرى لليونسيف نُشرت في التاسع من أكتوبر الجاري أشار بيريس إلى أنه من بين 10,625 طفلا في مناطق يمنية متفرقة خضعوا للفحص، هناك 3,780 طفلا يعانون من سوء التغذية الحاد، كما تم رصد حالات سوء تغذية لدى نحو 1,500 امرأة حامل ومرضع.
الدكتورة أمل عبدالالة وهي اخصائية أمراض النساء والأطفال، تعمل في صنعاء ترى أن من أسباب الإصابة بسوء التغذية الشائعة لدى الأطفال في صنعاء هو توقف الأمهات عن الرضاعة الطبيعية لأطفالهن خاصة خلال التسعة أشهر الأولى من الولادة، واعتماد الغالبية من الأمهات ممن يأتين الى المركز الذي تعمل فيه اعتمادهن على الرضاعة الصناعية.
وتشير الى أن سوء التغذية يحدث عندما يكون المأخوذ الغذائي من العناصر الغذائية الكبرى والصغرى للطفل لا يناسب مع احتياجاته الغذائية الفعلية، وغير متوازن مما يؤثر على صحة وانتاجية الطفل الى جانب انتشار الامراض المعدية والاوبئة مما يؤدي الى عجز الجسم عن أداء وظائفه الطبيعية حيث تضعف لدرجة أنه لا يستطيع القيام بالأداء الكافي لوظائفه الحيوية خلال عمليات النمو والرضاعة والقيام بكافة الأنشطة الاعتيادية، كما تضعف مقاومة الجسم للأمراض.
لافتة في حديثها مع "النداء"، الى أن غالبية الأطفال المصابين بسوء التغذية في صنعاء والمناطق القريبة منها لا يشكون ولا يتذمرون وبالتالي لا تهتم أسرهم بعلاجهم في المستشفيات إلا بعد ان تظهر في أطفالهم علامات الهزال الشديد والذي يؤدي في نهاية المطاف الى الموت.
وتنتشر في صفوف ممن رصدتهم "النداء " من الأطفال المصابين بسوء التغذية والمترددين على خمسة من المستشفيات والمراكز الحكومية في صنعاء أطفال مصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم والذي يُعرف بظهور توذم في القدمين وهزال ونحافة شديدتين، او الى انتفاخ وتورم في الجسم غير طبيعي. إضافة الى إصابتهم بسوء التغذية المتوسط، وفقاً لإفادة الأطباء في تلك المستشفيات.

وتعتبر مشكلة سوء التغذية من أهم الأسباب الشائعة لوفاة الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمسة أعوام، وقبيل اندلاع الحرب العام 2015 كان اليمن يعاني من مستويات حرجة ومرتفعة لسوء التغذية قبل اندلاع الحرب عام 2015، وبحسب إحصائية لليونسيف كان هناك حوالي 690 ألف طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد المعتدل، وقد تضاعف العدد منذ العام 2015، الى أضعاف عديدة. بالمقابل تزايدت أعداد المصابين بسوء التغذية في صنعاء والمحافظات الشمالية خاصة بشكل ملحوظ منذ بدء اندلاع الحرب في اليمن العام 2015..
وفقاً لمجد الجنيد مسؤول الاتصال السابق لدى منظمة أطباء بلا حدود والذي لفت في حديثه مع " النداء " بأن الأولوية لتدخلات المنظمة كانت لإنقاذ حياة المصابين من الأطفال بسوء التغذية الحاد والوخيم، بالإضافة الى أن مشكلة نقص الدعم والعوائق على البرامج اللي توزع مواد غذائية وتدعم الصرف الصحي ساهمت في زيادة الحالات.
كان الطفل صالح محمد مفلح يعاني من نقص في السكر بالدم وانخفاض درجة الحرارة إضافة إلى معاناته بإسهال وجفاف، وهي الأعراض التي بدت عليه واضحة منذ دخوله المستشفى كما تقول تهاني راشد الطبيبة المعالجة له.
وقد مرت مرحلة علاج الطفل صالح بمراحل عديدة منذ دخوله المستشفى وذلك باتخاذ خطة علاجية مدة أسبوعين رقد فيها بالمستشفى ومن ضمنها أيضا اتخاذ إجراءات ساعدته على فتح شهيته للطعام حيث كانت تُقدم له 8وجبات على مدار 24ساعة..
وذلك بهدف زيادة وزنه، وبعد تعافيه تقرر خروجه، وهو اليوم يتابع حالته في العيادات الخارجية للمستشفى، لكن والده محمد مفلح يقول إنه غير قادر مادياً على تنفيذ الخطة التغذوية التي قررتها له الطبيبة المعالجة، الأمر الذي يعزز من مخاوف والدة الطفل صالح في أن يؤدي ذلك الى انتكاسة الحالة الصحية لولدها.
صالح يعتبر من الأطفال المحظوظين الذين وجدوا رعاية صحية في الوقت المناسب، بينما يموت الكثير من الأطفال بسبب عدم حصولهم على الرعاية الصحية..
ووفقاً لمنظمة "أنقذوا الأطفال"، البريطانية، واستناداً على بيانات جمعتها الأمم المتحدة فإن نحو 85 ألف طفل دون سن الخامسة ربما ماتوا بسبب سوء التغذية الحاد خلال ثلاث سنوات من الحرب في اليمن.

ووسط هذه الاحصائيات المفزعة تبرز العديد من التساؤلات حول الأدوار التي من المفترض أن تقوم بها وزارة الصحة اليمنية، وفي هذا الصدد يشير الدكتور محفوظ علي مقبل مدير برنامج التغذية بوزارة الصحة العامة والسكان، إلى أن وزارته عملت ومازالت تعمل على الاكتشاف المبكر لحالات سوء التغذية قبل دخولها للمضاعفات من خلال تلقي التقارير من المستشفيات والمرافق الصحية ومن أقسام الترصد التغذوي داخل المستشفيات، ومن خلال المتطوعات في صحة المجتمع وعبر العربات المتنقلة في مختلف المحافظات اليمنية.
موضحا في حديثه مع “النداء"، الى أن وزارته عملت على التوسع في انشاء الأقسام الخاصة بالتعذية العلاجية لأكثر من 95بالمائة من المستشفيات والمرافق الصحية في عدد من المناطق اليمنية.
ويقول مقبل «نتواصل مع اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الغذاء العالمي، والمنظمات الدولية من أجل استمرارية توفير التغذية العلاجية للحد من تزايد اعداد الوفيات». لافتاً إلى أن وزارة الصحة أولت الجانب الوقائي أهمية من خلال نشر الرسائل التوعوية عن طريق القابلات والمتطوعين، وزوايا المشورة
وتعاني المرافق الصحية في صنعاء وعدد من المناطق اليمنية في الوقت الراهن من نقص حاد في الأدوية والوقود وباقي المستلزمات التشغيلية لأسباب تتعلق باستمرار الحرب وظروفها والى أسباب تتعلق بتراجع التمويل الدولي لها.
* أُنتجت هذه المادة بدعم وإشراف من مؤسسة عوافي للإعلام الصحي، ضمن مشروع «أول هدية».