
تحولت السيارات الحديثة إلى منصات رقمية متصلة بالإنترنت، تتجاوز وظيفتها الأساسية في نقل الركاب لتصبح أداة لجمع معلومات تفصيلية عن الرحلات، العادات اليومية، والسلوك خلف المقود. ومع تزايد الاعتماد على أنظمة الملاحة، المساعدات الصوتية، والتطبيقات الذكية، أصبحت المركبة سجلاً حياً لتحركات السائق وخصوصياته.
تتجاوز البيانات المجمعة مجرد الموقع الجغرافي؛ فهي تشمل مسارات المركبة، الوجهات المتكررة، وسلوك القيادة المتمثل في السرعة، التسارع، والفرملة المفاجئة. كما تمتد لتشمل بيانات الحالة الميكانيكية، استهلاك الوقود، ضغط الإطارات، وصولاً إلى تسجيلات الكاميرات وأجهزة الاستشعار وأنماط استخدام الأنظمة الترفيهية.
أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة نورث إيسترن بالتعاون مع مجلة كونسيومر ريبورتس، أن جمع البيانات لا يقتصر على السيارة فحسب، بل يمتد إلى التطبيقات الهاتفية المرتبطة بها. وقد رصد الباحثون انتقال بيانات شخصية حساسة —مثل عناوين البريد الإلكتروني وأرقام تعريف المركبات والمواقع الجغرافية— إلى شركات خارجية، بما في ذلك شركات تقنية وإعلانية متخصصة في تحليل البيانات.
تنتقل المعلومات من الوحدات الإلكترونية داخل المركبة عبر شبكات الهاتف والإنترنت إلى خوادم الشركات المصنعة ومزودي الخدمات السحابية. وتختلف آليات التخزين ومدته بناءً على الشركة المصنعة والخدمات المفعلة، حيث تُستخدم هذه البيانات في الملاحة، التشخيص عن بُعد، والاستجابة للطوارئ.
وتشمل الجهات التي قد تتعامل مع هذه البيانات شركات تصنيع السيارات، مزودي أنظمة التشغيل، شركات التأمين، ووسطاء البيانات. وتُستخدم هذه المعلومات في إعداد تقارير سلوك القيادة التي قد تؤثر بشكل مباشر على الأقساط التأمينية للعملاء.
تكتسب هذه المعلومات قيمة اقتصادية متزايدة، مما دفع ببعض الشركات لاستغلالها لأغراض تجارية دون علم السائق. ففي يناير 2025، اتخذت لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية إجراءات قانونية ضد شركة جنرال موتورز وخدمة أون ستار (OnStar) بسبب جمع ومشاركة بيانات دقيقة عن سلوك القيادة مع وكالات التقارير الائتمانية وشركات التأمين، مما أجبر الشركة على تسوية تتضمن قيوداً صارمة على مشاركة البيانات ومنح المستخدمين خيار حذفها.
لا تزال الأطر القانونية حول ملكية بيانات السيارات في مرحلة التطور. ففي الاتحاد الأوروبي، دخل قانون البيانات الأوروبي حيز التنفيذ في سبتمبر 2025، ليمنح المستخدمين حق الوصول إلى بياناتهم ومشاركتها مع أطراف ثالثة، بالإضافة إلى الحماية التي يوفرها القانون العام لحماية البيانات (GDPR). أما في الولايات المتحدة، فتظل القوانين مجزأة بين الولايات دون وجود تشريع فدرالي شامل.