في لفتة إنسانية مؤثرة، استعاد مدرب المنتخب المغربي لكرة القدم، وليد الركراكي، ذكريات فترة شبابه المبكر حين رافق والدته، فاطمة بن مسعود، للعمل في مطار أورلي بالعاصمة الفرنسية باريس. كان الركراكي آنذاك في الثامنة عشرة من عمره، باحثاً عن فرصة عمل صيفي مؤقتة لتمويل رخصة قيادته، ولم يكن يدرك أن تلك التجربة ستتحول إلى درسٍ قاسٍ في تقدير تمارة والكفاح الصامت الذي خاضته والدته لتربية أبنائها الستة.
وفي حواره ضمن بودكاست مغارب مع محمد الرماش، يروي الركراكي تفاصيل تلك الوردية الليلية التي تبدأ في العاشرة مساءً وتنتهي عند السادسة صباحاً. يقول المدرب المغربي إنه لم يصمد في هذا العمل الشاق سوى شهر واحد فقط، رغم تمتعه بلياقة الشباب، بينما واصلت والدته هذا الإيقاع المنهك لمدة ثلاثين عاماً.
ويستحضر الركراكي كيف كانت والدته، بعد عودتها من ليلة طويلة من العمل في التنظيف، تبدأ دورة يومية جديدة من المسؤوليات المنزلية، من إيقاظ أبنائها وتجهيزهم للمدرسة إلى إعداد وجبات الطعام، في مشهد يعكس تضحيات صامتة لا يراها الأبناء غالباً إلا بعد أن يكبروا ويختبروا عناء الحياة بأنفسهم.
علكة على أرض المطار: درس في احترام العمل
لا تقتصر ذكريات أورلي على التعب الجسدي، بل تحولت إلى بوصلة أخلاقية ترافق الركراكي في حياته. فمشاهدة نفايات أو علكة ملقاة على أرض المطار تذكره دائماً بـ العامل المجهول الذي سيتولى تنظيفها، مما عزز لديه احتراماً عميقاً للمهن غير المرئية التي تجعل الأماكن العامة صالحة للاستخدام يومياً.
من أورلي إلى منصات التتويج
في سياق حديثه، يعقد الركراكي مقارنة ضمنية بين الشاب الذي كان يكافح في مطار أورلي، وبين المدرب الذي قاد منتخب بلاده لإنجاز تاريخي في مونديال قطر 2022، وما تبعه من احتفاء ملكي وشعبي في القصر الملكي بالرباط. يؤكد الركراكي أن قيمة هذه الحكاية ليست في قصة نجاح تقليدية، بل في استحضار الأصل والتعب الذي مهد الطريق، والاعتراف بأن كل نجاح يحمل في طياته دماء وعرق أجيال سبقت.





