قبل نحو 26 عاماً، رصد العلماء في أعماق المحيط الأطلسي تكوينات جيولوجية مذهلة تُعرف بـ حقل لوست سيتي (المدينة المفقودة) الحراري المائي. تتميز هذه المنطقة بمداخن بيضاء شاهقة من كربونات الكالسيوم، تنبعث منها مياه قلوية ساخنة غنية بالهيدروجين والميثان، مما يمنحها مظهر أطلال مدينة غامضة تعيش في ظلام دامس.
وعلى الرغم من غياب ضوء الشمس، تحتضن هذه المنطقة نظاماً بيئياً فريداً يعتمد كلياً على الطاقة الكيميائية. ولطالما تساءل الباحثون عن المصدر العميق للمياه الغنية بالطاقة التي تغذي هذا النظام، وهو ما دفع فريقاً بحثياً دولياً لحفر بئر بعمق 1268 متراً تحت قاع المحيط في منطقة كتلة أتلانتس.
مياه تغيرت داخل الصخور
أظهرت التحاليل الكيميائية أن المياه المكتشفة في أعماق القشرة المحيطية قد خضعت لتحولات جذرية؛ فقد فقدت معظم محتواها من المغنيسيوم، واكتسبت تركيزات عالية من الكالسيوم وعناصر مثل الليثيوم والروبيديوم والسيزيوم والسترونشيوم.
تؤكد هذه البصمة الكيميائية أن المياه تفاعلت مع الصخور عند درجات حرارة تصل إلى 300 درجة مئوية، مما أدى إلى تحولها لمزيج غني بالمواد الداعمة للحياة. ويوضح الباحثون أن مياه البحر تتسرب عبر شقوق القشرة، لتكتسب خصائصها الفريدة قبل أن تندفع مجدداً نحو القاع عبر المداخن البيضاء.
مصنع طبيعي للطاقة
يؤكد جيفري ويت، الباحث الرئيسي في الدراسة، أن هذا الاكتشاف يمثل طفرة في فهمنا للعمليات الجيولوجية العميقة. ويشير إلى أن المدينة المفقودة ليست مجرد ظاهرة سطحية، بل هي واجهة لنظام مائي عميق ومعقد داخل القشرة الأرضية.
الهيدروجين.. مفتاح الفهم
يُعد الهيدروجين المذاب العنصر الأهم في هذه المعادلة الجيولوجية؛ فهو المصدر الأساسي للطاقة للميكروبات التي تعيش في هذه البيئة القاسية. يهدف العلماء في مراحلهم القادمة إلى العودة للبئر بعد استقرار النظام لاستخلاص عينات أنقى، مما سيسمح بقياس دقيق للهيدروجين والغازات النادرة، وفهم الكيفية التي تتحول بها الحرارة والصخور والماء إلى محرك حيوي يدعم الحياة في أعماق المحيطات.





