أعادت مارين لوبان، زعيمة أقصى اليمين الفرنسي، ملف حظر ارتداء الحجاب في الأماكن العامة إلى صدارة النقاش السياسي، في خطوة استباقية قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، مما يفتح مجدداً ملفات الهوية والهجرة التي تشكل ركيزة أساسية في برنامج حزب التجمع الوطني.
جاء هذا التحرك على لسان النائب في الحزب، جان-فيليب تانغي، الذي أعلن بوضوح أن حزبه يعتزم فرض غرامات مالية على النساء اللواتي يرتدين الحجاب في الفضاء العام في حال فوز لوبان بالرئاسة، مبرراً ذلك بمكافحة ما أسماه الأيديولوجيا الإسلاموية. وأكد تانغي أن هذه المسألة حُسمت داخلياً داخل الحزب، واصفاً الوضع الحالي بأنه خارج السيطرة.
مواجهة قانونية وسياسية
أثار هذا التصريح عاصفة من الانتقادات، حيث أبدت الحكومة الفرنسية تحفظات جوهرية بشأن دستورية هذا الإجراء. وأكدت المتحدثة باسم الحكومة، مود بريجون، أن أي نقاش حول الرموز الدينية في الفضاء العام يطرح إشكاليات تتعلق بالمساواة بين الأديان واحترام الدستور.
وفي السياق ذاته، حذر مراقبون وقانونيون من أن هذا التوجه يصطدم بالمبادئ التأسيسية للجمهورية الفرنسية، لا سيما المادة العاشرة من إعلان حقوق الإنسان والمواطن.
Cette mesure n’est pas conforme à l’article 10 de la Déclaration des droits de l’homme et du citoyen.
Marine Le Pen devra donc abroger cette déclaration, fondatrice de notre République.
Elle n’est pas non plus conforme à la Convention européenne de sauvegarde des droits de… https://t.co/JKoxC3zYEH
— Ilan Gabet (@Ilangabet) August 30, 2026
من جانبها، شنت المعارضة اليسارية هجوماً لاذعاً على المقترح؛ حيث وصف جان-لوك ميلونشون الخطوة بأنها دنيئة، مؤكداً أن العلمانية الفرنسية وجدت لحماية حرية الضمير والمعتقد، لا لتقييدها في المجال العام.
Le Pen veut interdire les signes religieux, ou supposés tels (car des femmes non musulmanes portent aussi un foulard), dans lespace public.
C’est contraire à larticle 10 de la Charte des droits fondamentaux de lUnion européenne :
« Toute personne a droit à la liberté de…
— Jean-Luc Mélenchon (@JLMelenchon) August 31, 2026
انقسام داخلي وتخبط في الرؤية
لا تتوقف المعركة عند حدود الخصوم السياسيين، بل تمتد لتكشف عن تباين داخل التجمع الوطني نفسه. ففي حين تتمسك لوبان بالحظر كوعود انتخابية قديمة، أبدى رئيس الحزب، جوردان بارديلا، تحفظات عملية، محاولاً طمأنة الرأي العام بالقول إنه لا يريد إنشاء شرطة للملابس.

ويشير محللون إلى أن هذا التضارب يعكس حسابات انتخابية معقدة؛ فالحزب يوازن بين إرضاء قاعدته الانتخابية المتشددة وبين ضرورة جذب ناخبين معتدلين خارج صفوفه التقليدية لضمان الفوز في الجولات الانتخابية الحاسمة.
عقبات دستورية وقانونية
يؤكد خبراء قانونيون أن أي حظر شامل للحجاب سيواجه عقبات دستورية كبرى، نظراً لحماية الدستور الفرنسي والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لحرية التعبير عن الدين. ويشير المحامي فينسان برنغارث إلى أن القوانين الحالية تحظر إخفاء الوجه لدواعٍ أمنية، لكنها لا تمنع الحجاب الذي يترك الوجه مكشوفاً، مما يجعل الخطوة التي تقترحها لوبان سابقة في تاريخ التشريع الفرنسي.

ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، تظل هذه القضية اختباراً حقيقياً لقدرة اليمين المتطرف على تحويل شعاراته إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وسط مجتمع فرنسي منقسم حول مفاهيم العلمانية والهوية الوطنية.





