بعد أكثر من 3 عقود على اتفاق دايتون، وجدت البوسنة والهرسك نفسها في قلب معادلة جيوسياسية معقدة، حيث تحول مشروع خط الربط الجنوبي لنقل الغاز من مجرد حاجة تنموية لتنويع مصادر الطاقة، إلى عنوان للهشاشة السياسية ورمز للتباين المتزايد بين الرؤيتين الأمريكية والأوروبية تجاه منطقة البلقان.
أزمة الطاقة في ظل التعقيد السياسي
تعتمد البوسنة بشكل شبه كلي على الغاز الروسي القادم عبر مسار واحد من صربيا. ويهدف مشروع خط الربط الجنوبي إلى كسر هذا الاحتكار عبر ربط شبكة الغاز البوسنية بنظيرتها الكرواتية، والوصول إلى محطة الغاز الطبيعي المسال في جزيرة كرك. إلا أن المشروع اصطدم بالنظام السياسي المعقد في البلاد، حيث تتداخل صلاحيات الكيانات (اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صرب البوسنة) مع السلطة المركزية، مما حول المشروع إلى ساحة لتصفية الحسابات القومية والحزبية حول ملكية البنية التحتية.

دخول واشنطن على الخط
شهد المشروع تحولاً جذرياً بعد تدخل دبلوماسي أمريكي مكثف دفع باتجاه إسناد المشروع لشركة خاصة هي إيه إيه إف إس (AAFS)، بدلاً من الشركة العامة بي إتش غاز. وأثار هذا التوجه تساؤلات حول شفافية الصفقة، خاصة وأن الشركة الأمريكية تأسست حديثاً ويمثلها مقربون من إدارة الرئيس دونالد ترمب، مثل محاميه السابق جيسي بينال، دون وجود خبرة سابقة لها في مشاريع البنية التحتية الكبرى.

تصدع أطلسي في البلقان
يختلف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول آلية تنفيذ المشروع؛ فبينما يصر الأوروبيون على المشروطية والمعايير القانونية والشفافية في المناقصات كجزء من مسار انضمام البوسنة للاتحاد، تميل الإدارة الأمريكية الحالية إلى صفقات ثنائية سريعة تهدف لتعزيز نفوذها الاقتصادي وتقليص الاعتماد على الغاز الروسي بأسلوب مباشر.

مستقبل غامض للمشروع
على الرغم من توقيع اتفاقيات حكومية بين البوسنة وكرواتيا، إلا أن عمليات البناء لم تبدأ بعد، ولا تزال المفاوضات عالقة بشأن العقود النهائية والتمويل. وفي الوقت نفسه، انعكس الخلاف على منصب الممثل السامي في البوسنة، حيث أدت الاستقالة المفاجئة لكريستيان شميدت، وسط ضغوط أمريكية، إلى أزمة في تعيين بديل له، مما يضع مستقبل اتفاق دايتون واستقرار البلاد أمام اختبار حقيقي.

إن استمرار هذا الصدع بين واشنطن وبروكسل لا يهدد مشروع الغاز فحسب، بل قد يمنح القوى القومية والانفصالية في البوسنة مساحة أوسع لتعميق الانقسامات، في بلد يعتمد استقراره منذ ثلاثة عقود على التنسيق الوثيق بين القوى الدولية.





