بعد أكثر من 13 مليار سنة على ولادة الكون، نجح فريق دولي من علماء الفلك في تحقيق اختراق علمي مكنهم من قياس كمية الهيليوم البدائي بدقة غير مسبوقة، مما يفتح نافذة مباشرة على ظروف الكون في دقائقه الأولى عقب الانفجار العظيم.
استخدم الباحثون التلسكوب ثنائي العينين الكبير (LBT) في ولاية أريزونا الأمريكية، حيث خصصوا 130 ساعة من الرصد المكثف لدراسة 15 منطقة غازية شديدة الفقر بالعناصر الثقيلة. وقد سمحت هذه العملية بقياس نسبة الهيليوم بدقة تصل إلى 0.5%، وهي نسبة تفوق المعايير السابقة بثلاثة أضعاف.
مجرات كـ سجلات محفوظة
تكمن التحدي في أن الهيليوم لا يقتصر وجوده على الانفجار العظيم، بل تصنعه النجوم أيضاً. ولتجاوز هذه العقبة، استهدف العلماء مجرات ومنظومات غازية بدائية لم تمر بتطور كيميائي كبير، لتكون بمثابة سجلات محفوظة للحالة الأولى للكون. وباستخدام المطيافات المتعددة الأجسام، حلل الفريق أكثر من 10 خطوط انبعاث للهيليوم و15 للهيدروجين، مما سمح بتحديد الظروف الفيزيائية بدقة متناهية.
وقد خلصت الدراسة إلى أن نسبة كتلة الهيليوم البدائي بلغت 0.2458 (نحو 25%)، وهي نتيجة تتوافق مع نماذج التخليق النووي للانفجار العظيم، مما يعزز النظرية القائلة بأن معظم الهيليوم تشكل في المراحل المبكرة جداً من عمر الكون.
اختبار للفيزياء الأساسية
لا تقتصر أهمية هذا القياس على معرفة وفرة عنصر كيميائي، بل تتعداه لتصبح أداة لاختبار الفيزياء الأساسية. فمن خلال دمج هذه البيانات مع قياسات الهيدروجين الثقيل والخلفية الميكرووية الكونية، استطاع الباحثون استنتاج عدد عائلات النيوترينو التي كانت موجودة في الكون المبكر، حيث بلغت القيمة (2.925 ± 0.082)، وهو ما يتطابق تماماً مع توقعات النموذج القياسي للفيزياء بوجود ثلاث عائلات فقط.
وفي هذا السياق، وصف إيفان سكيلمان، الأستاذ بجامعة مينيسوتا، هذه النتائج بأنها تجربة فيزيائية على نطاق هائل، مؤكداً أن هذه القياسات تمنح العلماء قدرة تشخيصية فريدة لاختبار قوانين الفيزياء في بيئات كونية لا يمكن إعادة إنتاجها في المختبرات الأرضية.
ويختتم الباحثون بأن كل تحسن في دقة القياس يساهم في تضييق مساحة الخطأ، مما يجعل البحث الفلكي أداة حاسمة ليس فقط لفهم أصل الكون، بل لاختبار أي انحرافات قد تشير إلى فيزياء جديدة تتجاوز النموذج القياسي الحالي.





