أعلن معهد العالم العربي في باريس عن إطلاق المجلد الثاني من كتالوج «إنسانيات عربية في الترجمة»، الذي يضم قائمة مختارة بعناية تتضمن 53 عنواناً من أحدث المؤلفات العربية في مجالي العلوم الإنسانية والاجتماعية. ويهدف المشروع إلى توجيه المترجمين والناشرين الناطقين بالفرنسية نحو نصوص عربية رصينة تستحق النقل إلى لغة موليير، وذلك في مسعى لتقليص الفجوة المعرفية بين الضفتين.
يأتي هذا الإصدار امتداداً لمشروع بحثي أُطلق عام 2024 بتعاون مؤسسي رفيع المستوى، يضم وزارة الخارجية الفرنسية، ومجموعة الاهتمام العلمي بالشرق الأوسط والعالم الإسلامي التابعة للمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، والمعهد الفرنسي في تونس، وبإشراف نخبة من الباحثين، هم: سعدية أقسوس-بيينشتاين، وبيير جيرار، ونسرين الزهر، وفرانك ميرمييه.
واقع النشر: فجوة في جدار الجهل
ينطلق المشروع من تشخيص واقعي يشير إلى أن ترجمة الفكر العربي في العلوم الإنسانية لا تزال تعاني من هامشية لافتة. ويوضح الباحث الفرنسي فرانك ميرمييه أن الاهتمام الغربي بترجمة الأدب والرواية جاء على حساب الحقول المعرفية والنقدية؛ فمن بين 10,643 عنواناً تُرجمت إلى الفرنسية عام 2020، لم تتجاوز حصة الكتاب العربي 60 عنواناً فقط، أي بنسبة 0.6%.
من بين أكثر من 10 آلاف عنوان تُرجمت إلى الفرنسية، لم تزد حصة الكتاب العربي على 60 عنوانا فقط؛ ولذلك يسعى مشروع إنسانيات لحفر ثغرة في جدار هذا الجهل والتهميش لتقديم دراسات نقدية تمنح الجمهور الناطق بالفرنسية معطيات ورؤى جديدة نابعة من قلب المنطقة.
تحديات هيكلية
يشير ميرمييه إلى معضلة هيكلية تتمثل في ضعف القنوات الأكاديمية وغياب منصات مركزية تُعرّف بإصدارات دور النشر العربية. ويؤكد أن أغلب الكتب الأكثر ابتكاراً تصدر عن دور نشر صغيرة أو متوسطة، تفتقر إلى شبكات توزيع واسعة أو حضور قوي في المعارض الدولية، مما يتطلب جهداً ميدانياً مستمراً لرصد هذه الإصدارات.
يغطي المجلد الجديد طيفاً واسعاً من الأعمال، منها: «الحروب الأهلية العربية نظاماً سياسياً» لوضاح شرارة، و«العنصرية في الخليج» لنورة محمد فرج، و«الكيانات الوظيفية» لهشام البستاني، و«بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية» لفيصل دراج، إضافة إلى دراسات حول القاهرة والحركة الاجتماعية، وكتاب «العوسج: أوضاع قطر وأحوال أهلها» لعلي خليفة الكواري.
ثمار مبكرة وآفاق مستقبلية
بدأت ثمار الطبعة الأولى من الكتالوج تظهر فعلياً، حيث بادرت دور نشر فرنسية إلى ترجمة سبعة كتب، خمسة منها ضمن سلسلة «أفكار عربية معاصرة» (Pensées arabes contemporaines)، التي أطلقها معهد العالم العربي بالتعاون مع دار الأتيلييه. ومن أبرز ما تُرجم: كتاب «المبتسرون» للكاتبة أروى صالح، و«المدينة العربية والحداثة» للمفكر خالد زيادة.
ويطمح القائمون على المشروع إلى تأسيس قاعدة بحثية أوروبية أوسع تُعنى بترجمة العلوم الاجتماعية، وتطوير دراسات تحليلية مقارنة للمصطلحات، وذلك لكسر هيمنة اللغة الواحدة على البحث العلمي العالمي، وخلق فضاءات معرفية مستقلة تتفاعل فيها طرائق التفكير بعيداً عن التسييس.


