اختتمت الدورة السابعة لمهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي فعالياتها، مسجلةً تحولاً لافتاً في بوصلة السينما العربية، حيث تراجعت الملاحم الكبرى والبطولات الاستثنائية لصالح القصص اليومية التي تضع الشخصيات المهمشة في مركز السرد السينمائي، محولةً التفاصيل الصغيرة إلى مرايا تعكس أزمات المجتمع العميقة.
شكوى رقم 713317.. حين يصبح العطل اليومي مدخلاً للدراما
توجت لجنة التحكيم الفيلم المصري شكوى رقم 713317 بالجائزة الكبرى، وهو عمل يبتعد عن التعقيد الملحمي ليتتبع حياة زوجين متقاعدين في حي المعادي، حيث يتحول عطل بسيط في ثلاجة المنزل إلى خيط رفيع يكشف أزمات دفينة في حياتهما.
وعن فلسفة العمل، يؤكد مخرجه ياسر شفيعي أن القصة انطلقت من تجربة شخصية، لكنه يرفض حصرها في إطار ضيق، مشيراً إلى أن العطل في الفيلم يحمل دلالات رمزية مفتوحة، تتراوح بين البيروقراطية، والرحمة بالمستهلك، أو حتى آليات التعاطف الاجتماعي، تاركاً للجمهور مساحة لتأويل الإسقاطات وفق رؤيتهم الخاصة.
الشخصيات المهمشة: من الهامش إلى قلب السرد
لم يكن فيلم شفيعي حالة استثنائية، بل جزءاً من تيار سينمائي جديد يراهن على فضول المخرج تجاه الإنسان. وتؤكد المخرجة الأردنية ياسمينا كاراجا أن صناعة السينما تتطلب مغادرة كرسي المراقب والدخول إلى حياة الناس بتواضع، موضحةً أن الشخصيات التي تعيش على الهامش هي الأكثر قدرة على فهم تجربة الإنسان كما هي.
من جهتها، ترى الناقدة السينمائية ياسمين بوشفر أن هذه الدورة تعكس تطوراً ملموساً في اللغة السينمائية العربية، مشيرة إلى تنوع القصص وتوظيف تقنيات متقدمة، كما هو الحال في فيلم مسألة حياة أو موت للمخرج السعودي أنس باطهف، مؤكدة أن السينما العربية تجاوزت مرحلة التكرار لتصبح مرآة لأسئلة المجتمع الوجودية.
استحضار الذاكرة والأساطير
شهد المهرجان حضوراً قوياً للذاكرة التاريخية والأسطورية، حيث نقل المخرج الفلسطيني ورد جرايسي حكايات الانتفاضة المغيبة عام 1958، معتمداً على روايات الناس أنفسهم بدلاً من الأرشيف الرسمي، ليثبت أن التاريخ يصنعه البشر في تفاصيل حياتهم اليومية.
وفي المسار ذاته، يستدعي المخرج محمد الدراجي أسطورة كلكامش ليسقطها على الواقع العراقي المعاصر، باحثاً عن الشجاعة والأمل في شخصيات عادية تواجه تحديات الحياة، بعيداً عن مفاهيم البطل الخارق.
المساحات المغلقة والأسئلة الوجودية
وذهبت المخرجة نايلة الخاجة إلى ما هو أبعد من الشارع، لتقتحم الأبواب الموصدة داخل البيوت، حيث تتشابك قصص الفقد والقيود الاجتماعية. وتعتبر الخاجة أن دور السينما ليس تقديم إجابات جاهزة، بل فتح أبواب للنقاش حول الأفكار الموروثة، وهو ما تجلى في فيلمها الذي أثار جدلاً حول قضايا المرأة والذاكرة.
تخلص الدورة إلى أن السينما العربية اليوم، وبمشاركة واسعة من دول المنطقة بما فيها السعودية، باتت أكثر جرأة في تفكيك الهويات الممزقة، وأكثر قدرة على التعبير عن جيل جديد يطرح أسئلة تشبهه، محولةً الشاشة إلى مساحة للبوح الذاتي والبحث عن الجوهر الإنساني.


