بقلم /عبد الإله عطشان بقلم /عبد الإله عطشان
ترميم الذات من مقبرة الذكريات

​تُمثّل الذاكرة البشرية أحد أكثر النُّظم البيولوجية والنفسية تعقيداً في الكائن الحي حيث لا تقتصر وظيفتها على أرشفة الأحداث اليومية وتنسيق المعارف بل امتدت عبر التطور لتصبح مسرحاً ديناميكياً لمعالجة الصدمات والإحباطات الوجدانية إن التعبير الأدبي القائل بأن كل إنسان يحمل في داخله مقبرة صغيرة يجد له معادلًا علمياً دقيقاً في الممارسة النفسية والأعصاب المعرفية إذ إن الإحباطات التنموية والتطلعات الناقصة والروابط العاطفية المفقودة تُشكل ما يُعرف في الطب النفسي الحديث بـ الفقدان غير المكتمل أو الحزن المكبوت هذه الكيانات النفسية التي لم تلقَ حلاً أو معالجة معافاة لا تتلاشى مجاناً بل تترسب في البنية الوجدانية للشخصية مسببة ما يمكن تسميته بالأحافير النفسية التي تؤثر بشكل مباشر على السلوك والأنماط المعرفية وحتى الاستجابات الفسيولوجية للجسم.

 

و​من الناحية النيوروبيولوجية تنشأ هذه العزلة النفسية للأحداث غير المعالجة نتيجة للتفاعل المعقد بين اللوزة الدماغية المسؤولة عن المعالجة الانفعالية والخوف والحصين المسؤول عن ترميز الذاكرة وصياغتها ضمن سياق زمني ومكاني محدد عندما يتعرض الفرد لفقدان حلم كبير أو لانقطاع مفاجئ في رابطة عاطفية أساسية أو عندما يُحرم من التعبير عن أفكاره ومشاعره جراء قمع بيئي أو ذاتي فإن القشرة المخية قبل الجبهية قد تفشل في دمج هذه الخبرات ضمن الوعي السلس هذا الفشل في التكامل المعرفي الانفعالي يؤدي إلى تجميد الذاكرة الانفعالية في طيات الجهاز العصبي المركزي لتتحول تلك الكلمات التي ماتت على أعتاب الشفاه إلى مثيرات متبقية تستجيب لها المسارات العصبية بآليات الحماية النفسية الذاتية

​وفق منهجيات التحليل النفسي والنظريات الديناميكية النفسية المعاصرة يُعزى بقاء الأشخاص والأحلام المفقودة داخل البناء النفسي إلى عملية أطلق عليها أصحاب مدرسة التحليل النفسي الحديث اسم الاستدخال أو التماهي الصدمي يتعامل العقل البشري مع الفقد غير المعالج عن طريق دمج موضوع الفقد داخل الذات للحفاظ عليه من الزوال الفعلي مما يخلق منطقة ظل داخلية تتغذى على الطاقة النفسية للفرد هذا الاحتفاظ اللاواعي يفسر كيف للأشخاص الذين غادروا مسرح الحياة الواقعية أن يظلوا مقيمين في البنية الوجدانية للمريض النفسي محركين لأنماط قلق الفراق أو الوجدانيات الاكتائابية المتكررة أو اضطرابات الشخصية ذات الطابع الاغترابي. 

 

​إن التراكم المزمن لهذا الكبت النفسي والأحلام المجهضة ينعكس إنسانياً وفسيولوجياً في صورة أعراض جسدية مبهمة تُعرف بالاضطرابات النفسية الجسدية فالكلمات المحتبسة والصدمات غير المنطوقة تُترجم غالباً عبر محور الوطاء النخامية الكظرية إلى ارتفاع مستمر في هرمونات الإجهاد كالكورتيزول مما يسرّع الاستجابات الالتهابية ويؤثر سلباً على الجهاز المناعي والعصبي من هنا لا تعد هذه المقبرة الداخلية مجرد استعارة مجازية بل هي حقيقة بيولوجية ونفسية تُجسد عجز الجهاز العصبي عن معالجة الفقد وتحويله إلى خبرة ماضية ومقبولة

​وهنا تتجلى الغاية العظمى للطب النفسي في الانتقال بالذات من سكون المقبرة إلى رحاب الترميم إذ إن عملية ترميم الذات تعتمد بالأساس على الخاصية البيولوجية العميقة المعروفة بالمرونة العصبية والتي تتيح للمخ إعادة تشكيل شبكاته وإعادة أرشفة الذكريات المؤلمة تتطلب هذه العملية تجاوز مجرد التسكين الأعراضي للوصول إلى عمق البناء المعرفي والانفعالي للمريض تعتمد المدارس العلاجية الحديثة كالـعلاج المعرفي السلوكي القائم على التقبل والالتزام والعلاج بالتحليل النفسي الوجودي على مساعدة الفرد في إخراج هذه الخبرات المدفونة إلى دائرة الوعي الصريح يكمن الهدف الأسمى هنا ليس في محو هذه الذكريات أو إنكار وجودها بل في إعادة ترميم جدار السردية الذاتية للفرد وإعطاء صوت لتلك الكلمات التي لم تُقال وتمكين العقل من إحداث عملية استحداد ورثاء صحية تسمح بتحويل الفقدان الصامت إلى نقطة نمو وثبات نفسي مستدام.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص