تعيش إسبانيا حالة من الحزن والترقب في ظل تكرار موجات الحر الشديدة التي حولت مساحات واسعة من غاباتها إلى مناطق منكوبة، مما أثار مخاوف جدية من استمرار مسلسل حرائق الغابات المدمرة. وتعد الحرائق الأخيرة التي شهدتها منطقة ألمرية في يوليو الماضي، والتي أودت بحياة 14 شخصاً وأدت إلى إجلاء أكثر من 1500 نسمة، جرس إنذار لمخاطر التغير المناخي المتسارع.

يوم أسود ونداءات للتحرك
في قرية بيدار الصغيرة، يروي السكان لحظات الرعب التي عاشوها عندما حاصرت النيران منازلهم. وتؤكد سالي تشابمان، إحدى الناجيات، أن ما حدث كان أكثر تجربة مرعبة، حيث فقدت أصدقاء لها في تلك الليلة التي لن ينساها أهالي المنطقة. وتعمل تشابمان حالياً مع مجموعة من السكان للضغط على الأحزاب السياسية من أجل وضع بروتوكولات صارمة تمنع تكرار هذه المأساة، مشددة على أن هذا لا يمكن أن يحدث مرة أخرى.

تحليل ميداني: بيئة قابلة للاشتعال
يؤكد خبراء مكافحة الحرائق، مثل فيران دالماو، أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف الطويل والرياح القوية جعلت جنوب أوروبا، وخاصة إسبانيا وفرنسا، أكثر عرضة للاشتعال. وتُشير البيانات إلى أن عدد الأيام التي تتهيأ فيها الظروف لاندلاع الحرائق قد تضاعف منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ويوضح دالماو، العضو في فريق تقييم حرائق الغابات (FAST)، أن بعض الحرائق الكبرى نتجت عن إهمال جسيم يتضمن استخدام آلات ثقيلة أو حوادث مركبات، مما أدى إلى دمج بؤر حرائق صغيرة لتتحول إلى حرائق ضخمة يصعب السيطرة عليها. ويقدر الخبراء تكلفة مكافحة الحرائق بآلاف الدولارات للهكتار الواحد، دون احتساب الخسائر الاقتصادية والبيئية الفادحة.

خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات
بعيداً عن الأرقام الرسمية، تظل القصص الإنسانية هي الأكثر إيلاماً. ففي أحد المخيمات القريبة من مدريد، فقد العشرات منازلهم المتنقلة. يقول استيبان كاراسكو، صاحب الموقع: كانت كارثة مطلقة. لقد دُمرت منازل المصطافين الذين يأتون هنا كل عام للاستمتاع بالطبيعة. سيستغرق الأمر سنوات لإعادة البناء، لكننا ممتنون لعدم وقوع إصابات بشرية في هذا الموقع تحديداً.
ورغم إعلان الحكومة الإسبانية عن خطة وطنية شاملة لمكافحة حرائق الغابات بمشاركة 13 وزارة، إلا أن حجم الكوارث الأخيرة اضطر البلاد لطلب دعم دولي من دول الاتحاد الأوروبي، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول مدى كفاية الاستراتيجيات الحالية لمواجهة واقع مناخي أكثر قسوة.


