سلالة ترمب السياسية: كيف استلهم المتمرد إرث ثلاثة رؤساء لإعادة صياغة أمريكا؟

سلالة ترمب السياسية: كيف استلهم المتمرد إرث ثلاث

في ملحمة الأوديسة لهوميروس، يقول مينيلاوس: دماء والديكَ فيكَ ما ضاعت. لكن أثر الماضي يتجاوز الجينات البيولوجية إلى الفلسفات السياسية التي قد تخفت عقوداً لتعود في جسد جديد. ويُعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نموذجاً صارخاً لهذه الظاهرة؛ فهو لم يبتكر سياساته من العدم، بل استدعى جينات سياسية لثلاثة رؤساء سابقين، أعاد تركيبها لتناسب لغة القرن الحادي والعشرين.

المصير المحتوم: من التوسع القاري إلى غزو المريخ

في خطاب تنصيبه الثاني، استعار ترمب عبارة سنلاحق مصيرنا المحتوم إلى النجوم، متعهداً بإرسال البشر إلى المريخ. هذا المصطلح ليس وليد خياله، بل يعود إلى أربعينيات القرن التاسع عشر، حيث استخدمه الرئيس جيمس بولك لتبرير التوسع الأمريكي غرباً، وضم تكساس، والحرب مع المكسيك. لاحقاً، استدعى الرئيس ويليام ماكينلي العبارة ذاتها لتبرير التوسع نحو هاواي. اليوم، يربط ترمب هذا المصير المحتوم بطموحات جيوسياسية تشمل ضم غرينلاند أو استعادة السيطرة على قناة بنما، محولاً المصطلح التاريخي إلى أداة لتعزيز النفوذ.

أندرو جاكسون: ملهم الشعبوية والصدام مع النخب

يرى المحللون أن ترمب يتقمص روح الرئيس السابع أندرو جاكسون في عدائه للمؤسسات. جاكسون، الذي جاء من حدود الجمهورية لا من صالوناتها، بنى شرعيته على كونه الممثل الوحيد للإرادة الشعبية في مواجهة النخب الفاسدة. هذا النمط تكرر مع ترمب في موقفه من الدولة العميقة ورفضه لنتائج الانتخابات، واصفاً إياها بـ النظام المنحاز.

ترمب
ترمب (يسار) في المكتب البيضاوي وإلى خلفه لوحة للرئيس الأسبق أندرو جاكسون

لكن هذه الشعبوية تحمل وجهاً مظلماً؛ فكما وقع جاكسون قانون إبعاد السكان الأصليين عام 1830، يقدم ترمب خطاباً يربط الهوية الوطنية بـ الشعب الحقيقي ويقصي المهاجرين، مما يعيد إنتاج المفارقات التاريخية ذاتها في سياق معاصر.

لوحة
لوحة درب الدموع توضح تهجير السكان الأصليين عام 1838

ماكينلي والحمائية: السلاح الاقتصادي

في الجانب الاقتصادي، يستحضر ترمب إرث ويليام ماكينلي، الذي اشتهر بسياساته الحمائية وفرض الرسوم الجمركية المرتفعة لحماية الصناعة الوطنية. وبينما يرى ترمب في هذه الرسوم سلاحاً لردع الصين واستعادة الوظائف، يربط المؤرخون بين هذا النهج وبين محاولة بناء ائتلاف سياسي عمالي، تماماً كما فعل ماكينلي في نهاية القرن التاسع عشر.

كومبو
ترمب أشاد بويليام ماكينلي معتبراً إياه نموذجاً في تعزيز ثراء أمريكا عبر الرسوم الجمركية

الخلاصة: هل هو خروج عن التاريخ أم استحضار له؟

إن تتبع السلالة السياسية لترمب يكشف أنه ليس طارئاً على التاريخ الأمريكي، بل هو تجسيد لنزعات قديمة ظلت كامنة. هو حرباء سياسية تنتقي من جاكسون شعبويته، ومن بولك توسعيته، ومن ماكينلي حمائيته، ليصهرها في مشروع يغذي مخاوف الناخبين من فقدان المكانة. وفي نهاية المطاف، يمثل عهد ترمب التاريخ الأمريكي عارياً من الكوابح، حيث تتحول السياسات القديمة إلى أدوات مواجهة في عالم متغير.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص