وثائق من عام 1976: كيف استشرفت الصحافة العربية عصر الجريمة الإلكترونية قبل ولادة الأمن السيبراني؟

وثائق من عام 1976: كيف استشرفت الصحافة العربية عص

بقلم: سلام الزعبي، باحثة في التاريخ وطالبة دكتوراه في جامعة اليرموك

لا تقتصر قيمة الصحف القديمة على كونها سجلاً للوقائع السياسية والاجتماعية، بل تتجاوز ذلك لتكون مرآة توثق الطريقة التي استقبل بها المجتمع التحولات التقنية في مهدها. وتكشف أرشيفات الصحافة العربية كيف بُنيت المفاهيم الأمنية الأولى في مواجهة ظاهرة الجريمة الحاسوبية قبل عقود من استقرار مصطلح الأمن السيبراني في قاموسنا المعاصر.

العقل الإلكتروني.. لغة عصر ما قبل الإنترنت

في عددها رقم (1924) الصادر بتاريخ 18 ديسمبر/ كانون الأول 1976، نشرت جريدة الرأي الأردنية مادة لافتة بعنوان: أحدث أنواع اللصوصية: السرقة بواسطة العقل الإلكتروني. في ذلك الزمن، كان الحاسوب جهازاً ضخماً يقتصر وجوده على مراكز الأبحاث والبنوك والمؤسسات الكبرى، ولم تكن شبكة الإنترنت قد تشكلت بعد كجزء من نسيج الحياة اليومية.

استخدمت الصحافة آنذاك مصطلح العقل الإلكتروني لوصف الحاسوب، وهو تعبير يعكس دهشة ذلك العصر تجاه آلة لا تكتفي بالحسابات التقليدية، بل تملك القدرة على حفظ واسترجاع المعلومات وتنظيم العمليات الإدارية والمالية المعقدة.

إدراك مبكر لمخاطر التهديدات الداخلية

لم تتناول المادة الحاسوب بوصفه أيقونة للتقدم فحسب، بل حذرت بوضوح من الوجه المظلم لهذه التقنية. فقد سلطت الضوء على تنامي عمليات اختلاس الأموال عبر التلاعب بالأنظمة في الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن المؤسسات باتت في حاجة ماسة لأساليب حماية تتجاوز الرقابة التقليدية.

وفي إدراك مبكر لحقائق أمنية لا تزال تشكل جوهر التحديات التقنية اليوم، أشارت الصحيفة إلى:

  • تأسيس أقسام متخصصة لمساعدة الشركات والبنوك على دراسة ثغرات برامجها.
  • خطورة التهديدات الداخلية، حيث يأتي الخطر من موظفين يمتلكون صلاحيات الوصول للأنظمة ويفهمون آليات عملها.
  • أنماط الجرائم التي تضمنت تحويل الأموال لحسابات وهمية، التجسس على معلومات المنافسين، والتخريب والابتزاز الرقمي.

من الجريمة بواسطة الحاسوب إلى الذكاء الاصطناعي

استندت المادة إلى رؤى الباحث دون باركر في كتابه الصادر عام 1976 الجريمة بواسطة الحاسوب، والذي كان من أوائل من درسوا إساءة استخدام الأنظمة من منظور قانوني وأخلاقي وإداري، مقدراً خسائر الشركات آنذاك بنحو 300 مليون دولار سنوياً.

لقد أعادت التكنولوجيا تعريف السرقة؛ فبعد أن كانت مرتبطة بانتزاع شيء مادي أو اقتحام مكان ملموس، أصبحت الجريمة تعتمد على نقل الأموال دون حملها، ونسخ المعلومات دون سرقة أصلها، والتلاعب بالسجلات من مسافة بعيدة. وبعد نصف قرن، اتسع هذا النطاق بشكل مذهل، حيث تجاوزت الخسائر العالمية المبلّغ عنها خلال عام 2025 العشرين مليار دولار، مع دخول الذكاء الاصطناعي كأداة متطورة للاحتيال وتقليد الأصوات وتزييف الوجوه.

خاتمة: هل تطورت حمايتنا بنفس السرعة؟

إن العودة إلى هذه الوثائق الصحفية تبرز قدرة الصحافة على التقاط التحولات وهي لا تزال في طور التكوين. فما بدا سنة 1976 نوعاً غريباً من اللصوصية، تحول اليوم إلى مجال أمني وقانوني عالمي. ومع انتقال اللص من البحث عن مفتاح الخزينة إلى البحث عن كلمة المرور ثم إلى محاولة اختراق ثقة الإنسان، يظل السؤال التاريخي قائماً: هل تطورت قدرتنا على حماية الإنسان بالسرعة نفسها التي تطورت بها الأدوات القادرة على خداعه؟

المصادر المرجعية:

  1. جريدة الرأي، العدد 1924، 18 ديسمبر 1976، ص14.
  2. دون باركر، كتاب Crime by Computer، 1976 (أرشيف الإنترنت).
  3. توثيق إسهامات دون باركر، IEEE Computer Society.
  4. تقرير مركز شكاوى جرائم الإنترنت لعام 2025.
  5. تقرير الإنتربول عن تطور الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي، 2026.
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص