بدأت قصة الجدل حول تأثير التكنولوجيا على العقل منذ عام 2005، حينما انتشر مصطلح الإنفومانيا أو هوس المعلومات، مستنداً إلى دراسة زعمت أن الإيميلات تقلل معدل الذكاء أكثر من تعاطي القنب. لكن تبين لاحقاً أن تلك الدراسة لم تكن سوى بيان صحفي يفتقر للأساس العلمي، ورغم ذلك، لا يزال هذا النوع من التخويف يلقى رواجاً حتى يومنا هذا، متمثلاً في المصطلح الحديث تعفن الدماغ الذي ارتبط بانتشار الفيديوهات القصيرة على منصات مثل تيك توك.
تعفن الدماغ.. بين المصطلح الأدبي والادعاء الطبي
رغم الرواج الكبير لمصطلح تعفن الدماغ في عامي 2023 و2024، إلا أنه في جوهره ليس اكتشافاً طبياً جديداً. فالتعبير يعود بجذوره إلى عام 1854، حين استخدمه الفيلسوف هنري ديفيد ثورو لوصف الانغماس في الأفكار السطحية.
بينما تكثف إنجلترا جهودها لمعالجة تعفن البطاطس، ألن تحاول أي جهة أخرى إيجاد حل لتعفن الدماغ، هذا الذي ينتشر على نحو أوسع نطاقا وأكثر فتكا؟ - هنري ديفيد ثورو
يؤكد الدكتور كيرولوس بولس، أخصائي علم النفس العصبي، أن المصطلح غير معتمد علمياً، بل هو مظلة تجمع الآثار النفسية والجسمانية للإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي، حيث صُممت الخوارزميات لجعل المستخدم يبحث عن مكافأة سريعة عبر التمرير المستمر، وهو ما يطلق عليه الباحثون اقتصاد الانتباه.
الحقيقة العلمية: احذر من المبالغة
يرى البروفيسور أندرو برزيبيلسكي، المتخصص في تأثير التكنولوجيا بجامعة أكسفورد، أن أغلب التقارير المخيفة حول تأثير الشاشات على أدمغة الأطفال تفتقر للمعايير العلمية. وفي دراسة شاملة أجراها معهد أكسفورد للإنترنت عام 2023 على 12 ألف طفل، لم يتم رصد أي خلل في النمو العصبي أو الصحة النفسية ناتج عن استخدام الشاشات.
الحياة محفوفة بالمخاطر ودورنا ينصب على مساعدة النشء الجديد على تقييم المخاطر وحسن التصرف - أندرو برزيبيلسكي
هل نحن أمام مشكلة حقيقية؟
بينما لا يوجد دليل على تعفن حرفي للدماغ، يؤكد الخبراء أن البيئة الرقمية تغيرت بسرعة هائلة بينما ظل العقل البشري بتركيبته العصبية ثابتاً. تشير الدراسات (مثل تلك المنشورة في 2025) إلى ارتباط الاستخدام المكثف للمقاطع القصيرة بضعف مؤقت في الانتباه وزيادة في التوتر، لكنها لا تثبت تلفاً دائماً.
التشخيصات الزائفة وتأثير الكلمات
تحذر الدراسات الحديثة من انتشار التشخيصات الزائفة التي تثير الذعر العام وتصرف النظر عن الحلول الحقيقية. إن استخدام مصطلحات رنانة مثل تعفن الدماغ يسهل تداوله إعلامياً، لكنه يغفل عن حقيقة أن الحل يكمن في تنظيم الاستخدام، تحسين النوم، والعودة للأنشطة التي تتطلب تركيزاً ممتداً.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم ليس عن وجود مرض وهمي، بل عن جودة حياتنا الرقمية: هل أصبح استخدامنا للمحتوى خارجاً عن السيطرة ومؤثراً على أدائنا ومزاجنا؟ الإجابة تكمن في الوعي بالسلوك، لا في الرضوخ للأوصاف الدرامية.


