تحولت إهانة أطلقها مسؤول قضائي رفيع المستوى في الهند إلى شرارة لغضب شبابي عارم، حيث تبنى جيل زد في الهند لقب الصراصير كعنوان لهويتهم الاحتجاجية الجديدة، في محاولة لتسليط الضوء على أزمات البطالة وانهيار النظام التعليمي التي تعصف بمستقبلهم.
من إهانة قضائية إلى حركة سياسية
بدأت الحكاية عندما وصف رئيس المحكمة العليا، سوريا كانط، الشباب الهندي العاطل عن العمل والنشط اجتماعياً بـالصراصير. هذا الوصف، الذي كان يهدف للتحقير، تحول إلى رمز للمقاومة، حيث أسس الطالب أبهيجيت ديبكي حزب صراصير جاناتا عبر الإنترنت، في محاكاة ساخرة لاسم الحزب الحاكم بهاراتيا جاناتا. وسرعان ما حظيت هذه الحركة بتفاعل واسع تجاوز في شعبيته الرقمية الحزب الحاكم نفسه.
جاء هذا التحرك في وقت تعاني فيه الهند من توترات اجتماعية حادة، تفاقمت عقب إلغاء الامتحان الوطني للأهلية والقبول الطبي بسبب تسريب الأسئلة، وهو الاختبار الذي يتقدم له مليونا طالب، مما أدى إلى موجة من الإحباط وحالات انتحار بين الطلاب.
تكمن أهمية احتجاجات الصراصير لجيل زد هذه في اتساع نطاقها، خاصة أنها نتجت عن تطورات من مناطق بعيدة حول العالم، لتتجه نحو الداخل مؤثرة، أولا، على دول الجوار الهندي، ثم على البلاد نفسها.
ما وراء مطالب الطلاب
لم تعد حركة الصراصير مقتصرة على المطالب التعليمية، بل توسعت لتشمل أهدافاً سياسية كبرى، أبرزها المطالبة باستقالة وزير التعليم دارميندرا برادان، وهو ما تحقق بالفعل في سابقة نادرة في حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وتطمح الحركة اليوم إلى إحياء الديمقراطية الهندية التي يرى مراقبون أنها شهدت تراجعاً حاداً خلال العقد الأخير.
كما وجه المحتجون انتقادات لاذعة لما يعرف بـإعلام غودي، الذي يتهمونه بالتبعية المطلقة للسلطة وتجنب طرح الأسئلة الحرجة على الحزب الحاكم، مما كسر حاجز الخوف الذي هيمن لسنوات على الأوساط الأكاديمية والإعلامية.
تحدي الهيمنة السياسية
يرى محللون أن حركة الصراصير تحمل سمات عالمية تشبه في جوهرها حركات الربيع العربي واحتلوا وول ستريت، حيث تتجاوز المظالم الفردية لتطالب بمساءلة حكومية شاملة. وفي المقابل، يواجه الحزب الحاكم ومنظمته الأم (RSS) ارتباكاً واضحاً، حيث يحاولون الجمع بين محاولات تشويه سمعة المحتجين وبين إطلاق برامج تواصل لاستيعاب غضب الشباب.
لعبت حركة الهند ضد الفساد عام 2011 دورا فعالا في إيصال ناريندرا مودي إلى السلطة، بعد ذلك بثلاث سنوات في عام 2014. وتُعتبر احتجاجات الصراصير بمثابة إيذان ببداية النهاية لهيمنة مودي على السياسة الهندية.
وفي ظل استمرار سياسات الاستقطاب الديني، وتنامي التنسيق الدفاعي مع إسرائيل، يبرز جيل زد كقوة ضاغطة تمتلك أدوات العصر الرقمي، مما يضع القيادة السياسية الهندية التقليدية أمام اختبار حقيقي للبقاء في مواجهة جيل يرفض أن يُهمش أو يُسمى بغير اسمه.


