تواجه فرنسا ضغوطاً مالية متصاعدة في ظل تضافر عوامل عدة، أبرزها استمرار تضخم الدين العام، وضعف معدلات النمو، واتساع عجز الموازنة، وسط مناخ سياسي منقسم يسبق استحقاق الانتخابات الرئاسية في مايو/أيار 2027.
وتشير البيانات إلى تصاعد الدين الفرنسي بأكثر من تريليون يورو منذ عام 2017، حيث ارتفع من نحو 98% من الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى مستويات قياسية، مع توقعات رسمية بأن يتجاوز حاجز الـ 130% بحلول عام 2030.
دين يتضخم ونمو متعثر
لا تقتصر الأزمة على حجم الدين فحسب، بل تمتد لتشمل تباطؤ النمو الاقتصادي. فبينما يتوقع البنك المركزي الفرنسي نمواً بنسبة 0.7% لعام 2026، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى سقف أدنى عند 0.6%. وفي المقابل، يظل التضخم السنوي مؤثراً على القوة الشرائية، حيث سجل 2.1% في يوليو/تموز الماضي.
ويؤكد كميل الساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية، أن أزمة الدين مرتبطة بشكل وثيق بقدرة الاقتصاد على استعادة حيويته، مشيراً إلى أن فرنسا تأثرت بسلسلة من الأزمات العالمية، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى اضطرابات أسواق الطاقة التي تضع البلاد في موقف هش كونها مستورداً صافياً للنفط والغاز.
فاتورة الفوائد ومعضلة الإنفاق
تتجلى حدة الأزمة في كلفة خدمة الدين، التي بلغت 43.5 مليار يورو في النصف الأول من العام الجاري. وتحتاج الدولة لتحقيق وفر سنوي يصل إلى 100 مليار يورو لتصحيح المسار المالي، وهو ما يفرض خيارات صعبة تتراوح بين خفض الإنفاق العام أو زيادة الضرائب، وسط توقعات بارتفاع العجز ليصل إلى 5.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027.
الإصلاح في مواجهة الحسابات السياسية
تظل العوائق السياسية هي التحدي الأكبر أمام أي خطة إصلاحية؛ حيث يرى خبراء أن غياب أغلبية برلمانية متماسكة يجعل تمرير إجراءات اقتصادية جذرية أمراً بالغ الصعوبة. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، تتحول القرارات الاقتصادية غير الشعبية إلى كلفة سياسية باهظة، مما يدفع الحكومة أحياناً إلى تأجيل الإصلاحات لتجنب الصدام الاجتماعي، وهو ما يبقي ضغوط الدين قائمة دون حلول جذرية.
ختاماً، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة معقدة؛ فبين التقشف والضرائب وتأجيل القرارات الحاسمة، يظل السؤال مطروحاً حول مدى قدرة الحكومة على معالجة الاختلالات المالية قبل أن تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي طويل الأمد.


