لم تعد تداعيات اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز مقتصرة على قطاع الطاقة، بل امتدت لتطال الحبيبات الصفراء (الكبريت)، وهي مادة حيوية تشكل حلقة وصل جوهرية بين استقرار سلاسل الإمداد العالمية، وإنتاج الغذاء، والصناعات المعدنية الحديثة.
وتشير البيانات إلى أن دول الخليج كانت تستحوذ على نحو ربع الإنتاج العالمي للكبريت، وتمثل صادراتها قرابة نصف تجارة الكبريت المنقولة بحراً. ومع تصاعد التوترات، تراجعت الكميات العابرة للمضيق من مليون و270 ألف طن شهرياً إلى نحو 30 ألف طن فقط، في انخفاض حاد بلغ 98%.
من الأسمدة إلى المائدة
يستحوذ قطاع الأسمدة على 60% من الطلب العالمي على الكبريت، حيث يعد عنصراً أساسياً في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية التي تدعم نصف الإنتاج الغذائي العالمي. وقد أدى نقص المعروض إلى قفزات سعرية قياسية؛ حيث ارتفعت الأسعار في قطر بنسبة 71%، وفي الإمارات بنسبة 89%، بينما سجلت البرازيل زيادة قياسية بلغت 129%.
وقد انعكست هذه الأزمة مباشرة على كبرى شركات الإنتاج العالمية؛ إذ خفضت مجموعة أو سي بي المغربية إنتاجها بنسبة 30%، بينما تكبدت شركة نوتريان الكندية خسائر فادحة في أرباح قطاع الفوسفات بلغت 75%، كما أوقفت شركة موزاييك البرازيلية عملياتها مؤقتاً نتيجة نقص الإمدادات.
تداعيات عابرة للقطاعات: المعادن والسيارات الكهربائية
لا تتوقف الآثار عند الغذاء، بل تمتد لصناعة المعادن؛ حيث يعتمد خُمس إنتاج النحاس المكرر عالمياً على حمض الكبريتيك. كما ساهم ارتفاع الأسعار في إضافة أعباء مالية تصل إلى 4 آلاف دولار في تكلفة إنتاج طن النيكل الواحد، مما يهدد سلاسل توريد الصناعات المرتبطة بالتحول نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.
خريطة الإنتاج العالمي
بلغ الإنتاج العالمي من الكبريت نحو 84 مليون طن في عام 2025، وتصدرت الصين القائمة بـ19 مليون طن، تلتها الولايات المتحدة بـ8.1 ملايين طن، ثم روسيا بـ7.5 ملايين طن، والسعودية بـ7.2 ملايين طن، والإمارات بـ6.3 ملايين طن. وتؤكد هذه الأرقام المركز الاستراتيجي لدول الخليج في التحكم بمدخلات الإنتاج العالمية، مما يجعل من أمن الملاحة في المنطقة قضية ذات أبعاد اقتصادية دولية تتجاوز النفط والغاز.


