في قلب العاصمة طرابلس، وتحديداً في سوق الظهرة للصرافة، لا يعكس المشهد مجرد تراجع في حركة بيع وشراء العملات، بل يجسد تحولاً هيكلياً في سلوك السوق الليبي؛ حيث بدأ التجار استبدال الدولار بقطع الذهب في محاولة للتكيف مع ركود مستمر منذ تسعة أشهر، وسط تراجع العوائد التقليدية للعملات الأجنبية.
هذا التحول الميداني يطرح تساؤلاً جوهرياً يتردد في أروقة المال والاقتصاد: كيف يواجه الدينار الليبي ضغوطاً متزايدة وتراجعاً في قيمته، في وقت يعلن فيه مصرف ليبيا المركزي عن امتلاك أصول أجنبية تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار؟
فجوة الصرف والضغوط النقدية
وصل سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى مستويات قياسية تقارب 9.27 دنانير، مقابل سعر رسمي يبلغ 6.43 دنانير، مما خلق فجوة تتجاوز 44%. ويرى مراقبون أن السوق يعاني من ضعف تدفق النقد الأجنبي، وتراجع النشاط التجاري، بالإضافة إلى تضخم فاتورة الاعتمادات المستندية، وهو ما يحمل المصرف المركزي جزءاً من المسؤولية في إدارة هذا الملف.
من الناحية الحسابية، تظهر بيانات المصرف المركزي وجود فجوة حادة؛ فبينما بلغت الإيرادات النفطية نحو 2.2 مليار دولار خلال أول شهرين من عام 2026، وصلت استخدامات النقد الأجنبي إلى 4.2 مليارات دولار، مما يعني عجزاً بقيمة ملياري دولار تم تغطيته من عوائد الاستثمارات والذهب، رغم نمو الأصول الأجنبية إلى 103 مليارات دولار بنهاية فبراير الماضي.
اختلال السيولة والإنفاق الحكومي
تشير الأرقام إلى أن الإنفاق العام، خاصة بند المرتبات والدعم، يضغط بشدة على الموارد. فقد استحوذت المرتبات على نحو 902 مليون دولار خلال شهرين فقط، بالتزامن مع ارتفاع فاتورة المحروقات التي قفزت من 500 مليون دولار إلى 1.4 مليار دولار في يونيو الماضي.
ويوضح خبراء أن اتساع الفجوة بين سعري الصرف يعكس اختلالاً بين وفرة السيولة المحلية الناتجة عن الإنفاق الحكومي المرتفع، ومحدودية المعروض من الدولار، في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على الريع النفطي.
تحديات الشفافية وإدارة الأزمة
تفاقمت الضغوط مع توقف المصرف المركزي عن نشر بيانات الإيرادات والإنفاق لأشهر، مما أدى إلى غياب الشفافية المالية المطلوبة لتقييم الوضع. ويشير سليمان الشحومي، الخبير المصرفي، إلى أن الأدوات النقدية المتاحة للمصرف المركزي -مثل سحب السيولة- تظل محدودة في ظل غياب ميزانية موحدة وانقسام مؤسسي.
مستقبل إدارة المصرف المركزي
يأتي طلب المحافظ ناجي عيسى إعفاءه من منصبه في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتصاعد المطالبات الأممية بضرورة معالجة النفقات العامة والسيطرة على التجاوزات. وفي هذا السياق، يشدد خبراء الاقتصاد على أن حل أزمة الدينار لا يكمن في قرارات نقدية منفردة، بل في خطة شاملة تتضمن توحيد الإنفاق العام، ترشيد الدعم، وربط الإنفاق بمستويات الإيرادات الفعلية لضمان استقرار العملة الوطنية.


