شهدت العلاقات التركية-الإسرائيلية منعطفاً حاداً في أعقاب قيام مقاتلات إسرائيلية بشن غارات جوية على قاعدة أبو الظهور الجوية شمال غربي سوريا، بذريعة وجود تحركات عسكرية تركية في الموقع، وهو ادعاء نفته الاستخبارات الأمريكية بشكل قاطع.
أزمة الثقة والتصعيد الإسرائيلي
كشف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، أن الجانب الإسرائيلي قدم استخبارات مضللة بشأن الموقع قبل ستة أيام من الهجوم، مؤكداً أن التحقيقات الأمريكية لم تجد أي أساس لهذه المزاعم. ورغم وجود آليات لفض الاشتباك، إلا أن إسرائيل تجاهلت إخطار تركيا أو الولايات المتحدة، مما يشير إلى أن الهدف من العملية كان سياسياً بحتاً، يخدم حملة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الانتخابية عبر البحث عن تصعيد خارجي.
تجد أنقرة نفسها اليوم أمام تحدٍ مزدوج: تجنب الانجرار إلى فخ التصعيد الذي ينصبه نتنياهو، وفي الوقت ذاته، منع ترسيخ سياسة العدوان كأمر واقع. وترى تركيا أن هذا الهجوم يمثل تحولاً جوهرياً في نظرتها لإسرائيل؛ إذ لم تعد القضية الفلسطينية هي المحرك الوحيد للخلاف، بل تحولت إسرائيل إلى مصدر تهديد مباشر للأمن القومي التركي في سوريا.
تباين الرؤى حول مستقبل سوريا
تمثل سوريا اليوم ساحة لاختبار الرؤى المتضاربة للنظام الإقليمي:
- الرؤية التركية: تدعم وجود جارٍ جنوبي مستقر وموحد وقوي عسكرياً لضمان الاستقرار الإقليمي.
- الرؤية الإسرائيلية: تسعى لفرض حالة من التفتت والضعف العسكري في سوريا، وهو نهج تراه أنقرة والمجتمع الدولي وصفة دائمة للحروب والفوضى، وتذكيراً بنموذج لبنان الذي أدى ضعف الدولة فيه إلى صعود فاعلين من غير الدول.
سقوط الرؤية الإبراهيمية
يمثل ميثاق مكة الأخير، الذي يجمع تركيا وباكستان والسعودية، مؤشراً على فشل النظام الإقليمي الذي روجت له اتفاقيات أبراهام ومشاريع مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC). لقد كانت هذه الرؤية إسرائيلية المركز، وتهدف إلى احتواء تركيا وإيران مع تهميش القضية الفلسطينية تحت مظلة أمنية أمريكية.
غير أن السياسات الإسرائيلية التصعيدية أدت إلى تعميق عزلتها الإقليمية، وكشفت عن فجوة متزايدة بينها وبين واشنطن في تصورات إعادة الترتيب الإقليمي. فبينما عارضت إسرائيل ميثاق مكة، رحبت به إدارة الرئيس دونالد ترامب، مما يعكس تحولاً في الاستراتيجية الأمريكية نحو رؤية أكثر واقعية وقبولاً إقليمياً، بعيداً عن المشاريع التي أثبتت عدم استدامتها.


