بين صخب الخردة ورائحة الشاي.. قصة فنان تونسي يصارع من أجل البقاء

بين صخب الخردة ورائحة الشاي.. قصة فنان تونسي يصارع

في ورشة متواضعة لا تبدو محتوياتها ذات قيمة للوهلة الأولى، يقضي زهير البخري ساعات طويلة وسط قطع الحديد، وبقايا الخشب، والحجارة المهملة. بالنسبة لزهير، هذه المواد ليست مجرد خردة، بل هي مادة خام يعيد صياغتها عبر اللحام والتركيب لتتحول إلى منحوتات تنبض بالحياة.

لكن حياة زهير لا تقتصر على عالم الفن؛ فخارج حدود الورشة، يجد نفسه مضطراً لبيع الشاي للمارة على الطريق لتأمين قوت يومه، في مفارقة تعكس واقع الفنان التونسي الذي يحاول التمسك بشغفه في ظل بيئة تفتقر إلى مقومات الاستقرار المادي.

تحويل المهملات إلى أعمال إبداعية

يؤمن زهير بأن الفن ينبع من المحيط اليومي ومن الأشياء التي فقدت وظيفتها الأصلية. وبأدواته البسيطة، يمنح هذه المواد معنى جديداً، محاولاً تقديم تجربة فنية تعبر عن بيئته. ومع ذلك، يصطدم طموحه بواقع سوق فنية محدودة في تونس، حيث يغيب الجمهور القادر على اقتناء الأعمال الفنية، وتندر فضاءات العرض التي تربط المبدع بالمشتري.

رغم
رغم الصعوبات قرر زهير التمسك بفنه والبحث عن سبل أخرى للمحافظة عليه

الفن في مواجهة ضرورات العيش

لا يخفي زهير أن الجمع بين العمل اليدوي والفن يفرض عليه ضريبة باهظة، تتمثل في الوقت الذي يسرقه إبريق الشاي من ورشته. وبالنسبة له، فإن القضية أبعد من مجرد كسب المال، إنها صراع من أجل الاعتراف.

يقول زهير: ليست المعاناة في لقمة العيش وحدها، أحيانا تكون المأساة في الاعتراف. ويشير إلى أنه انتظر لسنوات طويلة للحصول على بطاقة الاحتراف المهني، التي يعتبرها وثيقة تحميه وتمنحه حقوقه كفنان، بدلاً من أن يظل في حالة انتظار دائم لالتفاتة من وزارة الشؤون الثقافية.

زهير
زهير اختار أن يبيع الشاي على الشاطئ ليوفر حاجياته ويمول فنه

أزمة هيكلية في القطاع

تتجاوز حالة زهير نطاقها الفردي لتكشف أزمة أعمق في قطاع الفنون التشكيلية التونسي. يؤكد مختصون مثل الفنان نزار مقديش والأمين العام السابق لاتحاد الفنانين التشكيليين وسام غرس الله، أن القطاع يعاني من التهميش، وضعف الدعم الرسمي، وغياب آليات واضحة لتسويق الأعمال الفنية، فضلاً عن تعقيدات إدارية تعيق تصدير الفن أو المشاركة في المعارض الدولية.

تحديات القانون والتطبيق

رغم صدور القانون عدد 8 لسنة 2026 المتعلق بالفنان والمهن الفنية، والذي يهدف إلى تنظيم العلاقات التعاقدية والحماية الاجتماعية، يظل التساؤل قائماً: هل ستتحول النصوص القانونية إلى واقع ملموس؟ بالنسبة لفنانين مثل زهير، لا تزال الفجوة كبيرة بين التشريعات والقدرة على العيش من الإبداع.

الفنان
الفنان التشكيلي في تونس يعاني من صعوبات كثيرة تتعلق بالاعتراف المهني وحتى بالوضعيات الاجتماعية للفنانين

في نهاية يومه، يعود زهير إلى ورشته التي اتخذها مسكناً أيضاً، ليضع أدوات بيع الشاي جانباً ويعود إلى الحديد والخشب، متمسكاً بحلمه في أن يجد فنه يوماً ما مكاناً يليق به في بلده، وأن يتمكن الفنان التونسي من العيش بكرامة من نتاج إبداعه.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص