في العقود الأخيرة، تداولت نظريات النقد الأدبي مفاهيم موت المؤلف والاتجاه إلى القارئ، لكن اليوم يواجه جوهر الكتابة تحدياً وجودياً أخطر يتمثل في الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يفرض نفسه ككاتب ظل يفتقر إلى الروح، مخلفاً وراءه عيوباً قد تغير مسار الفكر الإنساني.
الكتابة بين الذاتية والتناص
لطالما كانت الكتابة الأدبية والفلسفية تعبيراً عن عقل الكاتب ووجدانه، وعن موقفه من العالم. ومع أن الناقدة جوليا كريستفا طرحت مفهوم التناص -بأن أي نص يستدعي مخزوناً سابقاً من الثقافة والذاكرة- إلا أن هذا لم ينزع عن الكتابة طابعها الذاتي. لقد ظل الكاتب، كما أشار المنفلوطي، متميزاً عن غيره بقدرته على صياغة أفكاره ومواجيده في قالب متماسك، وهو ما تفتقده الآلة.
يتسع حضور الذكاء الاصطناعي في مجال الكتابة مخلفا وراءه عيوبا شديدة، بل كوارث، تؤثر مستقبلا في ذاتية الكتابة وأصالتها، ومع تراكمها قد تصنع اتجاهات رأي لا تعبر بالضرورة عما يخدم الصالح العام، أو ينصر قضايانا الحيوية الآنية في السياسة والاجتماع والمعرفة عموما.
سوق الكتابة: حين تغيب البصمة
شهد التاريخ محاولات لانتحال صفة المؤلف أو نسب أعمال لغير أصحابها، من سقراط إلى هوميروس وشكسبير، ووصولاً إلى ورش الكتابة المعاصرة. لكن الذكاء الاصطناعي نقل هذا التزييف إلى مستوى غير مسبوق. إن أخطر ما يواجهه القارئ اليوم هو فقدان البصمة الأسلوبية؛ فبينما كان القراء يميزون أسلوب طه حسين أو نجيب محفوظ أو الجاحظ بمجرد قراءة سطورهم، تأتي الآلة لتقدم نصوصاً متشابهة حد التطابق، تفتقر إلى الخصوصية.
لقد صار بعض المعروض في سوق الكتابة إن صح التعبير، ليس سوى بضاعة مغشوشة؛ لأن الذكاء الاصطناعي هو مؤلفها الحقيقي، ومع إهمال كثير من المنابر الإعلامية ودور النشر الصغيرة للبرامج الإلكترونية التي تتحقق من أصالة النص، تسلل بعض هؤلاء إلى مجال الكتابة.
خطر التغذية المرتدة والتحكم بالأفكار
لا يقتصر خطر الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص ركيكة، بل يمتد إلى التحكم في الأفكار وتنميطها. فالآلة ليست مجردة من الأيديولوجيا، بل تحمل انحيازات الشركات المصنعة لها. والأخطر من ذلك هو دائرة الارتجاع؛ حيث يتبنى البشر تعبيرات الآلة في كتاباتهم، ثم تُغذى هذه الكتابات للنماذج الذكية مجدداً، مما يخلق حلقة مفرغة من تدوير النفايات اللغوية والمعرفية.
نحو ضوابط أخلاقية
لا بأس من توظيف الذكاء الاصطناعي كمساعد تقني في جمع المعلومات ضمن ضوابط أكاديمية صارمة وبشفافية تامة، لكن هذا الدور لا يمت بصلة للإبداع الأدبي. إن الكتابة التي لا تنبع من تجربة إنسانية حقيقية هي كتابة ميتة، وفقدان هذه الذاتية يعني فقدان الإنسان لجزء أصيل من هويته ككائن عاقل.
لا بأس من توظيف الذكاء الاصطناعي عند الباحثين كمساعد في جمع المعلومات، وهناك جامعات وضعت دليلا إرشاديا تحدد دوره في البحث والتدريس والإدارة، لكن هذا يجب أن يتم بشفافية، وهو إن صلح في الدراسات الأكاديمية، وفق ضوابط صارمة، فإنه لا يصلح أبدا في الكتابات الأدبية، التي يجب أن تكون ذاتية.


