في أزقة دمشق القديمة، تبرز المشغولات الصدفية والنحاسية كوجهة أولى للسياح والزوار، بينما يلف الغموض والنسيان محلات الأقمشة الدمشقية، التي ارتبطت تاريخياً باسم المدينة وهويتها الثقافية. هذا التراجع في الحضور دفع للتساؤل حول أسباب غياب هذا الإرث العريق عن قائمة المقتنيات التذكارية وحتى عن وعي الجيل الجديد.
يقول كمال عزت النقطة، صاحب أحد محلات القماش في سوق الخياطين، إن الفجوة بين الأجيال باتت واضحة، حيث يقف مواليد ما بعد الألفين أمام أقمشته متسائلين عن ماهية هذه المنتجات التي كانت يوماً جزءاً لا يتجزأ من هوية مدينتهم.
إرث النسيج: من الحرفة إلى الهوية
توضح الباحثة في التراث الشعبي، هتون مقرش، أن دمشق كانت مركزاً عالمياً للحياكة وتجارة الحرير، مما خلق شبكة مهنية معقدة ضمت المسدي، والملقي، والمزايكي، والصباغ، والحائك. وقد تحولت هذه المهن إلى كنى عائلية دمشقية عريقة، إلا أن معظمها اندثر مع الزمن، ولم يبقَ منها سوى القليل.
تحولات الصناعة: بين النول اليدوي والآلة
شهدت الصناعة تحولات جذرية؛ فبعد أن كانت تُنتج يدوياً عبر النول الخشبي باستخدام الحرير والقطن الطبيعي، انتقلت إلى الإنتاج الآلي. ويشير النقطة إلى أن دخول خيوط البولستر قبل نحو ربع قرن ساهم في خفض التكاليف وزيادة المتانة في بعض الاستخدامات كالمفروشات، بينما ظل البروكار الطبيعي البلدي يحتفظ بمكانته المتربعة على عرش الجودة والسعر في عالم الملابس والشالات.
تغير الأنماط والاستخدامات
تنوعت استخدامات القماش الدمشقي عبر العقود؛ فبعد أن كانت الصاية مقتصرة على ملابس النوم باللون الأبيض، أصبحت اليوم تدخل في تفصيل العبايات النسائية والرجالية مع إضافات تطريزية عصرية. أما البروكار، الذي كان حكراً على بدلات العرائس، فقد اتسعت استخداماته لتواكب الموضة الحديثة.
أزمة التذكار والهوية البصرية
ترى الباحثة هتون مقرش أن تراجع الحضور في سوق الهدايا يعود إلى طبيعة المادة؛ فالسائح يبحث عن قطعة مكتملة ومبتكرة، بينما يظل القماش مادة خاماً تتطلب تصميماً إضافياً. هذا التحدي يحد من قدرة القماش على منافسة المشغولات الصدفية والنحاسية التي تقدم هوية بصرية جاهزة للاقتناء.
مستقبل القماش الدمشقي
لا يزال القماش الدمشقي يجد رواجاً في الأسواق العربية، لا سيما في ليبيا، تونس، المغرب، فلسطين والأردن، حيث يُستخدم في تزيين الأزياء التراثية. ومع ذلك، تؤكد مقرش أن استعادة مكانته تتطلب استراتيجية جديدة؛ عبر تحويله إلى منتجات معاصرة كالحقائب والأوشحة، وربط كل قطعة بقصة توثق تاريخها ونقوشها، مما ينقلها من مجرد قطعة قماش إلى منتج ثقافي يحمل ذاكرة دمشق.


