بقلم /عبد الإله عطشان بقلم /عبد الإله عطشان
الندوب غير المرئية (2)

إذا كان الجزء الأول قد سلط الضوء على الضغط النفسي الشديد باعتباره تهديداً للوجود البشري فإن الغوص في عمق هذا التهديد يكشف عن آليات أكثر تعقيداً ودقة آليات تتشكل في المنطقة المظلمة من النفس البشرية حيث يتحول الكتمان إلى استراتيجية دفاعية مجحفة وتتحول الأحزان المتراكمة إلى عبء يزن الجبال دون أن يراه أحد إن الندوب غير المرئية ليست مجرد آثار عابرة لمواقف مضت بل هي صدمات غير معالجة تنغرس في عمق البناء النفسي وتغير من نمط استجابة الفرد للحياة.

 

​تبدأ القصة من تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان تشييد جدار الصمت حول آلامه فحين يتلقى الفرد طعنات الخيانة أو يتجرع مرارة الكلام الجارح أو يخوض تجارب القهر والخذلان تتولد لديه استجابة ألم حادة وفي غياب البيئة الآمنة التي تسمح بالتفريغ الوجداني يلجأ العقل إلى آلية القمع النفسي لحماية الذات مؤقتاً من الانهيار غير أن هذا الكتمان الإرادي لا يلغي الألم بل يرجئ معالجته فتتحول المشاعر المكتومة من حالات عاطفية مؤقتة إلى تراكمات انفعالية حادة تشبه الضغط الميكانيكي على هيكل صلب حيث يؤدي التفادي المستمر للتعبير عن الخيبة إلى إجهاد العصب النفسي وتآكل المرونة الذاتية.

 

​من الناحية النفسية الأكاديمية يتسبب هذا النزيف الداخلي المتكرر في إحداث ما يُعرف بـ الصدمات النفسية المتراكمة التي قد تتطور إلى رضح نفسي مركب إن الكدمات الناتجة عن الكلمات المسمومة أو المواقف القاسية لا تترك أثراً ظاهراً على البشرة لكنها تخترق البنية المعرفية للفرد فتغير من نظرته لذاته وللآخرين تشوه الخيانة مفهوم الأمان الوجودي فتصبح العلاقات مصدر تهديد بدلاً من كونها ملاذاً كما يعمل الكلام الجارح على تقويض مفهوم الاستحقاق والتقدير الذاتي فيشعر الفرد بوهن داخلي يجعله يفسر المحفزات البيئية المحيطة كتهديدات إضافية مما يدخله في حالة من التأهب الدائم وإجهاد الجهاز العصبي.

 

​وهنا يبلغ النزيف الداخلي أقصى درجات خطورته فحين يستنزف الكتمان الطاقة النفسية للفرد ويعجز العقل عن احتواء هذا الكم المظلم من الانفعالات يبدأ الجسد بالحديث نيابة عن اللسان الصامت عبر ما يُعرف بـ التجسيد النفسي أو الاضطرابات النفسجسدية فالضغط النفسي المزمن يبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم مما يفرز هرمونات التوتر بكثافة لترجم الصدمات المكتومة إلى آلام جسدية حقيقية وملموسة كالصداع المزمن وتشنجات القولون العصبي وآلام العضلات والمفاصل المبهمة واضطرابات النوم إن الجسد كما يقرر علم النفس العصبي يملك ذاكرة حية وهو يسجل الحساب لكل خيبة لم يُسمح لها بالتعبير والتشافي.

 

​ومع استمرار هذا الإجهاد لا يقف النزيف الداخلي عند حدود استنزاف الجسد والروح بل يتجلط مع الوقت ليعيد تشكيل البناء النفسي للفرد برُمته فلكي يحمي العقل نفسه من التلاشي يندفع إلى تشييد مصفوفة متكاملة من الأقنعة والآليات الدفاعية قناع للصلابة الزائفة ليمنع الآخرين من الاقتراب وقناع للبرود والسخرية ليفصل عقله عن شعوره وآخر للإنهاك والإرضاء المفرط ليهرب به من مواجهة جراحه الأصلية وكلما استشعر الفرد الخطر أضاف قناعاً فوق قناع حتى يقع في فخ التغرّب عن ذاته الحقيقية ويرزح تحت وطأة احتراق داخلي يداهم قدراته العقلية ويستنزف طاقته المخصصة للإنتاجية والبهجة.

 

​بناءً على ذلك يتضح أن التعافي من هذه الندوب لا يبدأ إلا بكسر حاجز الصمت الصارم والاعتراف بشرعية الألم النفسي كخطوة أولى نحو التفكيك الوجداني إن الانتقال من مرحلة الانكماش والكتمان إلى مرحلة التعبير الواعي يسهم في إعادة تنظيف تلك الجراح الداخلية ومنعها من التقيّح أو التجسد الجسدي تتطلب الحماية النفسية التخلي عن الفكرة المغلوطة التي تربط بين الكتمان والقوة فالصمود الحقيقي لا يعني التظاهر بالصلابة وارتداء أقنعة الدفاع بل يتجلى في الشجاعة على مواجهة الآلام وخلع تلك الأقنعة التكيفية تدريجياً ووضع حدود حازمة للممارسات التي تستنزف الذات لإعادة بناء الفضاء الداخلي على أسس من التعاطف مع النفس واستعادة ثقتها بوجودها.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص