كشفت دراسة علمية حديثة عن أدلة مذهلة تشير إلى أن البشر في عصور ما قبل التاريخ لم يكونوا بمنأى عن استخدام المواد المُغيّرة للوعي، بل كانت جزءاً من ممارساتهم اليومية منذ آلاف السنين. وبحسب بقايا عظمية عُثر عليها في جزيرة سولاويزي الإندونيسية، تبين أن جوزة التنبول كانت تُستخدم كعلاج تقليدي لتسكين آلام الأسنان، لكنها أدخلت مستخدميها في حلقة مفرغة من الإدمان والألم المزمن.
يشير تحليل الأسنان إلى أن جوزة التنبول كانت تُستخدم لتخفيف الألم قبل نحو 25 ألف عام. (المصدر: MAPANG Project)
جوزة التنبول: من مسكن للألم إلى عادة مدمرة
تُعد جوزة التنبول، وهي بذرة ثمار نخيل الأريكا، رابع أكثر المواد تأثيراً على النفس في العالم، بعد الكافيين والكحول والنيكوتين. وعلى عكس الاعتقاد السائد بأن استخدام المخدرات ارتبط بالثورة الزراعية والاستقرار، أثبتت النتائج الجديدة أن جامعي الثمار والنباتات في سولاويزي كانوا يستهلكونها قبل فترة تتراوح بين 25 ألفاً و16 ألف عام.
تُستخدم جوزة التنبول على نطاق واسع في أنحاء آسيا والمحيط الهادئ. (المصدر: Adam Brumm/Griffith University)
وأوضح آدم بروم، أستاذ علم الآثار في جامعة غريفيث، أن الممارسين القدامى كانوا يمصّون الجوزة كاملة، وهي مادة صلبة وكاشطة، مما أدى بمرور الوقت إلى تآكل الأسنان بشدة وكشف حجرة اللب الداخلية الحساسة، وهو ما تسبب في آلام مبرحة بدلاً من تسكينها، مما دفعهم للاستمرار في استخدامها كعلاج مسكن، ليجدوا أنفسهم عالقين في حلقة مفرغة من الإدمان.
عُثر على جزء من عظم الفك يعود تاريخه إلى فترة تراوح بين 25 ألفًا و16 ألف عام في كهف ليانغ بولو بيتويه. (المصدر: MAPANG Project)
تحليل علمي للأحافير
اكتشف الفريق البحثي بقايا بشرية في كهوف سولاويزي عام 2017، حيث أظهرت الأسنان أخاديد عميقة ومستديرة لا تتطابق مع أنماط التآكل الطبيعية، بل هي ناتجة عن مص أجسام صلبة. كما كشف تحليل أنسجة الأسنان عن وجود آثار الأريكولين، وهو المركب المسؤول عن التأثير النفسي وتسكين الألم في جوزة التنبول.
تظهر على أسنان أحد جامعي الثمار، الذي عاش قبل 7600 إلى 6300 عام، علامات على استخدام جوزة التنبول. (المصدر: Fakhri)
وقد أجرى الباحثون تجارب محاكاة عبر نقع جوزة التنبول في لعاب اصطناعي واختبار تأثيرها على مستقبلات عصبية، لتؤكد النتائج أن مجرد مص الجوزة كاملة كان كافياً لإحداث تأثير فسيولوجي وتغيير وظائف الدماغ، وهو ما يغير فهمنا للسياق الاجتماعي والبيولوجي لتجارب البشر القدامى مع المواد الطبيعية.
تشير الدوائر إلى الأسنان التي تعرضت للتآكل نتيجة الاستخدام المنتظم لجوزة التنبول. (المصدر: Melandri Vlok)
يخلص الباحثون إلى أن ممارسة مضغ التنبول الممزوج بالجير المطفأ -وهي الطريقة الحديثة الأكثر شيوعاً- قد تطورت لاحقاً كابتكار لتعزيز التأثير النفسي للمادة، لكن جذور هذه العادة تعود إلى تقاليد أقدم بكثير من ظهور الزراعة، مما يؤكد أن استهلاك مواد خارج النظام الغذائي كان جزءاً أصيلاً من التجربة الإنسانية منذ العصور الغابرة.


