هل تراجع ثقة الجمهور بالإعلام مؤشر على صحة الديمقراطية؟ باحث يفكك الأسطورة

هل تراجع ثقة الجمهور بالإعلام مؤشر على صحة الديم

يتعرض مفهوم ثقة الجمهور في وسائل الإعلام لمراجعة نقدية عميقة، حيث يرى الباحث الأميركي مايكل شودسون، أستاذ الصحافة بجامعة كولومبيا، أن التراجع المستمر في هذه الثقة منذ عام 1970 ليس بالضرورة ظاهرة سلبية، بل قد يكون علامة على تحول جوهري في طبيعة العمل الصحفي نحو مزيد من المساءلة والتحليل.

في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان الثقة في الإعلام الإخباري السائد: الأسباب والنتائج والحلول، يجادل شودسون بأن القلق المتزايد بين الصحفيين تجاه هذا التراجع نابع من فهم مغلوط لتاريخ الصحافة ووظيفتها، مفككاً ما يسميه أسطورة العصر الذهبي للثقة بالإعلام في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

تفكيك أسطورة العصر الذهبي

يوضح شودسون أن مستوى الثقة الذي تمتع به الإعلام في تلك الحقبة كان مبالغاً فيه، حيث كانت الصحافة آنذاك تكتفي بنقل الروايات الرسمية دون تمحيص، وتعتمد على التوازن الزائف بنقل تصريحات طرفي النزاع دون الغوص في الحقائق. ويستشهد بدراسات تظهر أن الصحافة تحولت لاحقاً من مجرد ناقل للأخبار إلى محقق يجمع الأدلة ويسائل السلطة، مما جعلها أكثر صدامية وأقل راحة للمؤسسة السياسية.

جيل
جيل أبرامز: الآباء المؤسسون لأميركا كانوا مدركين أهمية الصحافة الحرة في مساءلة السلطة (غيتي)

من الصحافة إلى الإعلام: صراع المصطلحات

يشير البحث إلى تحول لافت في الخطاب السياسي الأميركي، حيث استُبدل مصطلح الصحافة (Press) بكلمة الإعلام (Media). وينقل شودسون عن وليام سافاير، كاتب خطابات الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، أن الأخير فضّل استخدام كلمة ميديا لما تحمله من دلالة تلاعبية، معتبراً أن كلمة الصحافة تمنح المؤسسات الإعلامية هالة من النزاهة الدستورية، وهو ما دفع نيكسون لاعتبار الصحافة عدواً لمؤسسته.

الرئيس
الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون: الصحافة عدو (أسوشيتد برس)

نحو الديمقراطية الرقابية

يؤكد شودسون أن الصحافة الحديثة باتت تعتمد على الصحافة السياقية التي تحلل الدوافع وتفسر الأحداث بدلاً من الاكتفاء بسردها. ويشير إلى ثلاثة عوامل عززت هذا التحول:

  • التعليم الأكاديمي: ارتفاع نسبة الصحفيين الحاصلين على شهادات جامعية، مما زاد من قدراتهم التحليلية.
  • تشريعات الشفافية: مثل قانون حرية المعلومات لعام 1966، الذي منح الصحافة أدوات قانونية لمساءلة الحكومة.
  • نموذج الديمقراطية الرقابية: تحول النظام السياسي من الاعتماد على صناديق الاقتراع فقط إلى المساءلة المستمرة على مدار الساعة.

ويختم شودسون تحليله بالتأكيد على أن تراجع الثقة بالإعلام قد يكون نتيجة طبيعية لتحسن جودة الصحافة نفسها؛ فالديمقراطية الرقابية لا تتطلب ثقة عمياء من القارئ، بل تتطلب منه تفكيراً نقدياً ومشاركة واعية في تقييم ما يُنشر، مشدداً على أن استمرار الثقة كما كانت في الخمسينيات كان سيعدّ أمراً أكثر إثارة للاستغراب.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص