نادراً ما تنتهي حكاية الكتاب عند الصفحة الأخيرة؛ فأحياناً تبدأ رحلته الحقيقية بعد مغادرة المطبعة، حين يُحتجز عند الحدود، أو يُسحب من رفوف المكتبات، ليتحول إلى ممنوع ينتقل سراً بين الأيدي. في كتابه الجديد «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، يغوص الكاتب إبراهيم زولي في هذه المنطقة الشائكة، باحثاً في تأثير الرقابة على الكتب، وتأثير الكتب على الرقابة.
ما وراء المنع.. ليست كل الأبواب متشابهة
لا يكتفي زولي بسرد الحكايات المثيرة، بل يضع صرامة منهجية في تعريف المنع. فهو يفرق بوضوح بين الحظر القانوني، والمصادرة، ومنع العرض، والاستبعاد من المناهج. ويشير زولي في هذا السياق: إن المنع ليس مجرد إجراء إداري، بل هو لحظة صدام تكشف قلق السلطة من النص؛ فالرقابة لا تحجب الكتاب فحسب، بل تعيد صياغة قيمته في الذاكرة الجمعية.
يؤكد المؤلف أن الروايات الشائعة عن الكتب الممنوعة غالباً ما تتضخم لتصبح أسطورة، مفصلاً بين الوقائع المثبتة وبين ما تروجه الذاكرة الشعبية، ليتحول الكتاب من سجل للمنع إلى أداة لتفكيك مفهوم الرقابة ذاته.
لكل كتاب حكايتان
يبني زولي فصوله على فرضية مركزية: لكل كتاب حكايتان؛ حكاية النص الذي صاغه المؤلف، وحكاية ما جرى له بعدما خرج إلى الناس واصطدم بـ عين الرقيب. تتجاور في الكتاب أعمال متنوعة، من رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة، إلى «نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد، وصولاً إلى التراث الشعبي في «ألف ليلة وليلة».
يُثبت زولي أن المنع لا يقتصر على جنس أدبي بعينه، بل يطاول الرواية والشعر والفكر والتاريخ، وتتغير مبرراته بتغير السلطة التي تقرأ.
من بودلير إلى أورويل: رحلة عالمية للرقابة
تتسع خريطة الكتاب لتشمل تجارب عالمية، حيث يستعرض أعمالاً غيرت وجه الأدب مثل «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، و«أزهار الشر» لبودلير، و«شيفرة دافنشي»، و«فهرنهايت 451». يطرح زولي هنا السؤال الأزلي: من يملك حق تقرير ما يجوز للناس قراءته؟ ويضيف في موضع آخر: الرقابة في جوهرها محاولة يائسة لإيقاف الزمن، بينما يثبت التاريخ أن الكتب التي أُريد لها أن تحتجب هي الأكثر بقاءً في الضمير الإنساني.
من المطبعة إلى الخوارزمية
في قراءته للحاضر، يتجاوز الكتاب صورة الرقيب الكلاسيكي بمقصه، ليرصد الرقابة الرقمية. ففي زمن المنصات الإلكترونية، تغيرت أدوات السجان؛ من حجب المواقع وسياسات تقييد المحتوى إلى التلاعب بنتائج البحث وسحب الملفات من المتاجر الإلكترونية.
يخلص «نيران على الرفوف» إلى أن الكتاب الذي يتعرض للمنع لا يخرج منه كما دخل؛ فإما أن يُبعث من جديد بطبعة عالمية، أو يبتلعه النسيان. وبين نار الخوف التي تدفع السلطة للحجب، ونار الأسئلة التي يبقيها الكتاب مشتعلة، يظل القارئ هو الهدف النهائي الذي تسعى كل هذه القصص للوصول إليه.


