تستعد المملكة المغربية لتنظيم الانتخابات التشريعية يوم الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول 2026، لاختيار أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 عضواً. تأتي هذه الاستحقاقات في ختام ولاية تشريعية شهدت تحولات سياسية كبرى، أبرزها تراجع حزب العدالة والتنمية، وصعود تحالف ثلاثي ضم حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال.
الإطار القانوني والسياسي للانتخابات
تُجرى الانتخابات استنادا إلى دستور عام 2011، حيث تشرف وزارة الداخلية على العملية الإدارية، بينما تتولى المحكمة الدستورية البت في النتائج والطعون. وقد اعتمدت الوزارة مسطرة رقمية لإيداع الترشيحات، مع الحفاظ على التوثيق الإداري الورقي، في توجه يعكس رقمنة المسار الانتخابي.
لا تقتصر العملية الانتخابية على مجرد تنظيم التصويت، بل تتجاوزه إلى إرساء شروط قانونية ومؤسساتية للتنافس. وفي هذا الإطار، حددت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري قواعد التعددية السياسية خلال الفترة الانتخابية.
من جانبه، شدد القضاء على ضرورة حماية نزاهة الاقتراع، حيث دعت رئاسة النيابة العامة إلى التعبئة القصوى لمواجهة المخالفات الانتخابية، بالتنسيق مع الفرق الأمنية، لضمان تكافؤ الفرص وحياد الإدارة.
حصيلة الترشيحات والمشهد الانتخابي
تشير الأرقام الرسمية إلى مشاركة 28 حزباً سياسياً، مع تقديم 1850 لائحة انتخابية تضم 7288 مرشحاً، بمعدل 18 مرشحاً لكل مقعد. وتبرز في هذه الاستحقاقات نسبة المشاركة النسائية التي بلغت 36.47% من إجمالي الترشيحات، وهو مؤشر يراهن عليه المراقبون لتعزيز التمثيل السياسي للمرأة.
يُشكّل التمويل كذلك أحد المحددات البنيوية للتنافس الانتخابي، نظرا للتأثير البالغ للموارد المالية في تنظيم الحملات، والوصول إلى شريحة واسعة من الناخبين، وإنتاج المواد الدعائية، وتغطية تكاليف الأنشطة الميدانية.
تقاطب سياسي وسيناريوهات المستقبل
أفرزت الحملة الانتخابية حالة من التوتر بين حلفاء الأمس، حيث انتقلت الأحزاب من منطق التحالف الحكومي إلى التنافس الشرس، مع محاولات متبادلة للتنصل من إخفاقات الولاية السابقة. وفي المقابل، يسعى حزب العدالة والتنمية للعودة إلى واجهة المشهد السياسي مستفيداً من قيادة عبد الإله بنكيران.
تحليلياً، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لتشكيل الحكومة المقبلة:
- السيناريو الأول: الاستمرارية الحكومية، من خلال احتفاظ أحد مكونات الائتلاف الحالي بموقع الصدارة، مع تعزيز صفوف بعض الأحزاب بشخصيات ذات ثقل انتخابي واجتماعي.
- السيناريو الثاني: التغيير عبر المعارضة، وهو سيناريو مشروط بقدرة القوى المعارضة على بناء تحالفات برلمانية متينة.
- السيناريو الثالث: الحكومة الهجينة، وهو احتمال قائم بدمج مكونات من الأغلبية السابقة مع أحزاب أخرى، بناءً على النتائج النهائية التي ستفرزها صناديق الاقتراع.
تأتي هذه الانتخابات في ظل سياق إقليمي واجتماعي معقد، يفرض على الحكومة المقبلة ملفات حيوية كاستضافة كأس العالم، وتدبير مطالب التشغيل والتعليم، بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة. ويبقى الرهان الحقيقي في هذه الاستحقاقات هو مدى قدرة الفاعلين السياسيين على استعادة ثقة الناخبين والارتقاء بجودة التمثيل البرلماني.


