هناك حد فاصل دقيق يشبه حافة السيف حيث ينقلب النور إلى عتمة والتبصر إلى محنة عصبية ونفسية لا طاقة للنفس بها حين يتسع الأفق المدرك لتجتاز الحواس حدود المألوف وتلتقط الأذن ما لم يُقل وتلمح العين ما خفي خلف نبرات الصوت وارتعاشات الإيماءات يدخل الإنسان في منطقة صامتة من الوجود يُعبّر عنها علمياً بـ اليقظة المعرفية العليا إن الفراسة الحادة والبصيرة النافذة اللتين تُعدان في المعتاد قمة النضج العقلي والملكات المعرفية تتحولان تدريجياً وبصمت مخيف إلى عبء وجودي ثقيل وحين يفقد العقل قدرته البتة على التغافل وتبرز التفاصيل الدقيقة واضحة وضوح الشمس يرتطم المرء بأقسى حقيقة عرفتها النفس البشرية أن الجهل أحياناً ملجأ وأن البصيرة المطلقة سجن محكم لا أقفاص له.
من منظور علم النفس العصبي والعميق يُحدث هذا الإدراك المفرط تصدعاً خفياً ومستمراً في بنية الطمأنينة الداخلية والنظام العصبي فالإنسان بطبيعته مفطور على مساحة من الغموض الحيوي وعلى أمل فطري يتيح له تقبل ظاهر الأمور بسكينة تريح جهازه العصبي اللاإرادي من فرط التنبيه أما صاحب الوعي الحاد فهو كائن لاذع التحليل يفكك كل حدث إلى ذراته الأولية ويستقر في حالة دائمة من الاستنفار العصبي والنفسي المفرط الذي يبقي مراكز الإنذار في الدماغ في حالة تأهب لا تنقطع إنه يرى دوافع الآخرين قبل أن يعترفوا بها لأنفسهم ويستشرف النهايات المؤلمة قبل أن تشرع في التكون ويقرأ النوايا المستترة خلف الزخارف والكلمات المعسولة هذا الاستهلاك الدائم للطاقة العصبية والنفسية يفرغ المخزون الانفعالي بصمت ويحول العلاقات الإنسانية من واحات للدعم والراحة إلى حقول ألغام فكرية تفقد فيها الروابط عفويتها وتتلاشى من بين أركانها حرارة الدفء الإنساني البسيط.
ولكن الطامة الكبرى لا تتوقف عند حدود الداخل النفسي والعصبي بل تمتد لتلامس آفاق الفلسفة والوجود فطالما نظر المفكرون إلى المعرفة باعتبارها طوق نجاة غير أنهم أدركوا بحكمة بالغة أن المعرفة المطلقة تصبح أحياناً مرادفاً للشقاء حين يُرفع الغطاء تماماً وتنكشف عورات النفوس وتتجلّى الآليات المعقدة التي تحرك دوافع البشر من طمع وخوف وهشاشة يُصاب المرء بخيبة أمل وجودية عميقة إذ يتبدد سحر الأشياء وتفقد الحياة بهجة المفاجأة ويصبح العالم في عينيه كتاباً قرأه مراراً وتكراراً ومسرحاً مكشوفاً يرى فيه خيوط الدمى وحركة الأصابع الخفية خلف الستار هذه الرؤية الكاشفة تجرده من متعة الدهشة وتتركه وحيداً في قمة عالية من الفهم حيث لا رفيق يشارك إدراكه ولا مرمى يريح عقله المنهك من كثرة التمحيص.
وهكذا يجد العقل الأرقى نفسه يدفع أغلى الفواتير ثمناً لتميزه وبصيرته إنه يقف على حافة الوعي معلقاً بين رغبة جامحة في العودة إلى براءة الجهلاء وعجز تام عن إطفاء نور بصيرته إن النجاة في هذا المخاض العنيف لا تتمثل البتة في محاولة قتل الوعي أو إنكاره بل في ترويضه الحكيم لإعادة الاتزان العصبي والنفسي في تعلم فن التغافل الواعي ومنح الروح والجهاز العصبي إجازة اختيارية من التتبع والتحليل المستمر وحين يدرك الإنسان متى يسدل الستار باختياره ومتى يتوقف عن الغوص في أعماق المعاني ليكتفي بسلامة الظاهر فإنه يعقد هدنة نادرة مع ذاته موازناً بين عمق البصيرة وصفاء الروح ومسترداً شيئاً من طمأنينة الإنسان العادي التي لا تقدر بثمن.


