في جبال غريدوس غربي العاصمة مدريد، يقف المزارع خوان أنخيل إزكييردو وسط مرعاه الذي تحول إلى رقعة من أشجار الصنوبر والبلوط المتفحمة، شاهدةً على واحد من أعنف حرائق الغابات التي شهدتها إسبانيا مؤخراً. يقول إزكييردو، الذي توارثت أسرته الزراعة منذ قرنين: كان الحريق هائلاً، لم أشهد شيئاً كهذا من قبل.
في أواخر يوليو/تموز، اندلعت حرائق ضخمة التهمت نحو 80 ألف هكتار، لتسجل بذلك أكبر مساحة متضررة في تاريخ إسبانيا. لم يقتصر الأمر على تدمير الغطاء النباتي، بل طال مصدر رزق المزارعين؛ حيث فقد إزكييردو ثلثي أراضيه ونفقت أعداد كبيرة من ماشيته، فضلاً عن فقدان محاصيل التبن الشتوية.
تغير المناخ: وقود الحرائق
يرى الخبراء أن تغير المناخ جعل الظروف القاسية أكثر احتمالاً بـ 40 مرة. ويؤكد إرنستو رودريغيز كامينو، رئيس الجمعية الإسبانية للأرصاد الجوية، أن زيادة تكرار هذه الحرائق وشدتها تعود لارتفاع مستويات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن الوقود الأحفوري. وقد وصف رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، هذه الأزمة بأنها حالة طوارئ مناخية تقتل.
تُسهم صناعة الأغذية الزراعية بنسبة 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا، وقد أدى احتراق آلاف الهكتارات من المحاصيل إلى خسائر اقتصادية فادحة، وسط تعويضات حكومية يراها المزارعون غير كافية لتغطية حجم الضرر.
السياحة في مهب الحرارة
تشكل السياحة 13 في المئة من الاقتصاد الإسباني، لكن الحرارة المتطرفة بدأت تغير قواعد اللعبة. فقد سجلت البلاد هذا العام رقماً قياسياً بلغ 61 يوماً من موجات الحر، مما دفع الباحثين للتحذير من تراجع معدلات الإقبال السياحي. وأصبح المرشدون السياحيون، مثل دييغو إستيبان في طليطلة، يضطرون لتعديل مساراتهم لتجنب ساعات الذروة وتوفير مساحات مظللة، مع تزايد توجه السياح نحو العطلات الباردة في شمال البلاد.
الفيضانات والاضطراب الهيدرولوجي
لم تتوقف الأزمة عند الحرائق والجفاف، بل امتدت إلى فيضانات مدمرة، كان أبرزها تلك التي وقعت في فالنسيا في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وأودت بحياة 237 شخصاً وتسببت في أضرار مباشرة قدرت بـ 4.5 مليار يورو. وتصف المجموعات البحثية هذه الكوارث بأنها دليل على تغير الدورة الهيدرولوجية للأرض بسبب الاحتباس الحراري.
تظل إسبانيا اليوم في المرتبة العشرين عالمياً ضمن مؤشر مخاطر المناخ، مما يضع صناع القرار أمام تحدي التحول نحو اقتصاد أكثر اخضراراً. ويختتم جوليان كوبيرو، الخبير الاقتصادي، بالقول: السر يكمن في إدراك أننا إذا لم نتحرك فسوف يتباطأ النمو، أما إذا أُدير الأمر على نحو صحيح، فقد يتحول التحدي إلى فرصة للنمو المستدام.


